loader

أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ

 ما أجمل هذا التصريح الرباني الذي يعلن نجاح وفلاح فئة من عباد الله في الحصول على رضاه وهدايته وحبِّه، ألا وهم الأنبياء، والذي يتضمن أمرا بأن نقتفي أثرهم ونقتدي بهداهم إن كنا نطمع أن ننال شيئا مما نالوا. هذا الإعلان بكلماته العذبة يحرُّك في نفوسنا الغبطة والرقة، ويجعل قلوبنا ضارعة إلى الله تعالى كي يجعلنا ننال ما نالوا، فيرضى الله عنا ويحمدنا على عرشه كما حمد هؤلاء.

ومن رحمة الله تعالى وفضله علينا وعلى البشرية أن جمع في فطرة النبي صلى الله عليه وسلم ما تفرَّق من هدايات وكمالات الأنبياء السابقين؛ وهذا ما يكشفه علينا جانب آخر من معاني هذه الآية، ألا وهو أن هذا أمر إلهي لفطرة النبي صلى الله عليه وسلم كي تحوي جميع الكمالات والهدايات للأنبياء السابقين وتجمعه في خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم. فمن أراد أن ينال هذه البركات مجتمعة، فيكفيه أن يقتدي بالنبي صلى الله عليه وسلم، الذي أعلن الله تعالى أن اتِّباعه يورث حبَّ الله تعالى بقوله:
{قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} (آل عمران 32)
فبهذا جعل الله تعالى لنا طريقا سهلا ويسيرا للوصول إليه – وإن كان السلوك عليه يتطلب مجاهدة عظيمة وترويضا للنفس بالاستعانة بالله تعالى- ألا وهو الإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم واتِّباعه والفناء في حبه وطاعته، وقصَّر علينا طريقا شاقا وسهَّله لنا، بعد أن بذل النبي صلى الله عليه وسلم جهدا خارقا تلمَّس فيه كل مناحي الهداية وجوانبها التي تقود إلى الوصول إلى الله تعالى ومعرفته وإنشاء العلاقة معه. فاللهم صلِّ وسلم وبارك عليه وآله، آمين.

وقد يخطر ببال البعض أنه ما الحاجة إلى بعثة الأنبياء؟ ولماذا جعل الله الوصول إليه من خلالهم ولم يفتح هذا الباب لكل إنسان؟ وهل يحتاج الله تعالى إلى واسطة لكي يوصل الهداية لنا ويعرفنا بنفسه؟

والجواب على ذلك هو أن الله تعالى قد أنعم على البشر وفتح لهم باب الرحمة الواسعة بأسلوبين؛ الرحمانية والرحيمية. فالرحمانية قد أعطى الله بها النعم العميمة لبني البشر جميعا، دون طلب أو استحقاق، بل قبل خَلْقِهم، وسخر لهم وسهل لهم طرق التقدم والرقي المادي والروحاني وأعطاهم القدرة على السير فيها. أما الرحيمية فهي ما يمنُّ به الله على البشر بالسعي الحثيث والمجاهدة للترقي في الجانبين المادي والروحاني، وإلى هذا أشار الله تعالى في قوله:
{وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ} (البلد 11)
أي سهلنا للإنسان طريقي التقدم المادي والروحاني، ودللناه عليهما، ووفقناه للسير عليهما، وأثمرنا جهوده إذا جاهد برحيميتنا، وأوصلناه إلى بغيته. لأن الهداية تعني الدلالة والإرشاد والمصاحبة والإيصال إلى البغية فضلا من الله تعالى، كما يُهدى الإنسان هدية، والنجد هو الطريق المرتفع الذي يحتاج إلى الجهد لكي يسلكه السالك.
ومن أهم الوسائل التي سخرها الله تعالى لنا للتقدم في المجالين المادي والروحاني، هو أن جعل فئة من البشر مزودين بكفاءات تجعلهم أكثر قدرة على التقدم في مجالات محددة، فيصبح هؤلاء مرشدين ومعلمين ينقلون علمهم وخبرتهم للآخرين.
ففي المجال المادي، معلوم أن التقدم العلمي الذي حظي به البشر إنما كان بتراكم هذه الجهود والخبرات التي قام بها علماء أفذاذ، ثم عمَّت الفائدة على الجميع، واستفاد الناس على مختلف مستوياتهم؛ فمنهم من كان لديه القدرة للتطوير فيما جاء به السابقون، ومنهم من طبَّق هذه العلوم، ثم استفاد البشر جميعا من نتائج هذه العلوم وتطبيقاتها. وبما أن الهدف الذي يسعى إليه التقدم العلمي إنما هو أن يتمتع الجنس البشري بالراحة والسهولة من أجل حياة أفضل، فقد أودع الله في فطرة الإنسان الرغبة في الوصول إلى هذا الهدف، ثم دفع ذوي الكفاءات ليسهموا في الوصول إلى هذه البغية وهداهم سبله.
أما في المجال الروحاني، فقد جعل الله فطرة الإنسان مودعة حب الاتصال بالله وإنشاء العلاقة معه، وجعل هذا هو الهدف الأسمى للإنسان الذي تصرخ الفطرة متعطشة له وطالبة إياه. ومن أجل ذلك بعث الله الأنبياء المزودين بالكفاءات ليخطُّوا للناس الطريق إلى الله تعالى، وجعل البشر يتنعمون بعد ذلك بما يقدمه هؤلاء الأنبياء فينالوا السكينة في هذه الحياة الدنيا ويحظوا بوصال الله تعالى. وكانوا بمنزلة العلماء العاملين المعلِّمين الذين يجب أن يقتفي أثرهم الناس ويتبعوهم، وفتح باب الرقي لذوي الكفاءات من بني البشر للاستفادة من خبرات هؤلاء الأنبياء وعلومهم. وبهذا فإن بعثة الأنبياء هي منة عظيمة من الله تعالى على البشرية، هدفها أن يستفيد البشر جميعا، كلٌّ وفق كفاءته وقدرته، من هذه النعمة العظيمة والهداية التي جاء بها هؤلاء الأنبياء. ومن رحمة الله تعالى بالعالمين أن أرسل النبي الخاتم الذي جمع كمالات النبوة وخبراتها جميعا في ذاته وفي سيرته وسلوكه، ففتح بذلك المجال للترقي في قرب الله تعالى والاتصال به بما لم يكن متاحا من قبل.

وكما أنه في العلوم المادية لا بد للعالِم أن يخوض الكثير من التجارب ليكتمل علمه؛ لأن العلم النظري وحده لا يكفي للإحاطة، إذ يحتاج الإنسان إلى التجربة والمشاهدة ليكتمل علمه، لذلك هنالك دروس وتطبيقات عملية وتجارب تجرى في المدارس والجامعات، كذلك فإن العالَم الروحاني يحتاج إلى التجربة والمشاهدة ليكتمل فيه علم الإنسان، ومن خلال هذه التجارب يكون الإنسان قد بنى خبرة وتطورت كفاءاته وحواسه الروحانية، وأصبح يرى ويدرك ما لا يدركه غيره إدراكا يقينيا. فالعالَم الروحاني لا يمكن أن يتقدم فيه الإنسان ويرتقي بمجرد الإيمان النظري أو الحجج والبراهين الجافة، وإنما يحتاج الإنسان إلى خوض غمار التجربة والمشاهدة ليصبح علمه علما يقينيا عينيا ملموسا، لا نظريا فحسب. ولهذا فهو يحتاج إلى أن يتِّبع النبي المعلم أو المرشد الروحاني ويقتفي أثره ليمرره في هذه التجارب فيشهد ما شهده معلمه، وبذلك يقطع مراحل شاقة كان قد قطعها الأنبياء من قبل وأصبحت الآن مفتوحة ومتاحة أمامه بمجرد أن يجاهد مستعينا بالله ومتضرعا إليه ليهديه ويسيره على ما سير به عباده المهتدين.

والواقع أن العالم الروحاني أكثر اتساعا بكثير من العالم المادي، ومجاهله وخفاياه تفوق كثيرا مجاهل العالم المادي وخفاياه، والتجارب التي خاضها الأنبياء ووصلوا فيها إلى الله تعالى تفوق كثيرا عمر البشرية النظري، بل لو لم تتدارك رحمة الله البشرية ببعثة الأنبياء وتزويدهم بهذه العلوم وتطبيقهم لها لما أمكن أن يخرج البشر من وحشيتهم وبدائيتهم حتى بعد ملايين السنين. لذلك فإن الحاجة الماسة للأنبياء هي أكبر بكثير من حاجة البشر إلى العلم المادي الذي هدفه راحة البشر وتسهيل حياتهم. بل إن التقدم المادي ورغبة الإنسان فيه هو في الحقيقة يخدم الهدف الأسمى للإنسان وهو الوصول إلى الراحة والسعادة الأبدية بوصال الله تعالى. فإنكار الحاجة إلى الأنبياء إنما يعني أن يُترك الإنسان وحيدا في مجاهل لا يعلم فيها شيئا، ولا يهتدي سبيلا. وهذا أشبه بأن يدعي شخص بأنه ليس بحاجة إلى العلوم والتقدم العلمي ويترك نفسه في صحراء قاحلة، ويريد أن يبدأ حياته من الصفر. فمن الطبيعي أن شخصا كهذا سيموت خلال فترة وجيزة ولن يتمكن من تحقيق شيء.

كذلك، فبالإضافة إلى أن الوصول إلى الله هو رغبة عارمة هي الرغبة الأسمى في فطرة الإنسان، إلا أن عملية الوصول إلى الله تعالى، وإيداع فطرة الإنسان الرغبة بها هي في الواقع وسيلة وغاية في نفس الوقت. فالله تعالى قد وضع نفسه خلف الحجب في هذه الحياة الدنيا، وجعل الوصول إليه غير ممكن إلا إذا ترقَّى الإنسان وتطور روحانيا ونال حواسَّ جديدة يمكن أن يتجلى الله تعالى له فيها. فإذا ترقَّى الإنسان وأنشأ الله فيه هذه الحواس الجديدة، فإنه سيحقق الغاية من خلقه من ناحية، وسيكافئه الله تعالى بأن يطفئ ظمأ رغبته بوصاله بأن يمنَّ عليه بهذا الوصال. واتباع الأنبياء وما جاءوا به من شريعة وسلوك إنما ينشئ في الإنسان أخلاقا ترقى بالإنسان من بدائيته وهمجيته إلى أن يتحول إلى إنسان خلوق مهذب ثم إلى إنسان رباني يرضى الله تعالى عنه ويتجلَّى له. لذلك لم يجعل الله تعالى وجوده مدركا بالحواس أو بالاستنتاجات العقلية، لأنه لو كان الأمر كذلك لكان الناس متساوين في معرفتهم لله تعالى، ولانسدت عليهم سبل الترقي الروحاني، بل لما عاد الإنسان مخيرا ومكلفا يثاب على إيمانه ويعاقب على كفره وإعراضه. لذلك جعل الله تعالى نفسه خلف الحجب، وجعل الرغبة في الوصول إليه دافعا لتطوير الإنسان وخلق الحواس والمدارك الروحانية التي تؤهله للاتصال به، وجعل الاقتداء بالأنبياء وطاعتهم طاعة مطلقة وسيلة متاحة للطالبين لينالوا هذا الترقي الخُلقي ويحظوا بهذا الخَلق الجديد أو النشأة الروحانية الجديدة التي هي في الواقع الغاية من خلقهم. ومن رحمته تعالى أن جعل الطاعة والانصياع وسيلة وغاية أيضا لتنشأ هذه الحالة الخلقية في الإنسان فيصبح مؤهلا للقاء الله تعالى وينال الهداية ويحظى بوصال الله تعالى هدية وفضلا منه تعالى، عوضا عن دروس مطولة في مجاهل الروحانية التي لن يكفي عمر البشرية بمجملها، ناهيك عن عمر الإنسان، ليدرك جزءا من مليون جزء منها. والواقع أنه من الحِكَم التي جعل الله تعالى الطاعة والانصياع جزءًا أساسيا من هذا النظام الروحاني هو أن هذه الطاعة تقضي تلقائيا على الكبر والأنانية التي هي الحائل الحقيقي والحجاب الأكبر بين العبد وبين الله تعالى، وهي السبب في الفساد الخلقي والقضاء على بذرة التقدم والتطور فيه، إذ إن الله تعالى يريد أن يقرَّ العبد بضعفه وتواضعه أمام خالقه ليخلق فيه هذه الحواس والخلقة والحالة الروحانية ليتجلى له عليها. أما الذي يتمسك بكبره وأنانيته، ويركز على المنطق الجاف والحجج العقلية، فيعرض الله عنه ويتركه في غيه يعمه، ثم يقذفه بعيدا تائها في الظلمات، ويكون في هذه الدنيا أعمى ثم في الآخرة أعمى وأضل سبيلا. فالله تعالى لم يجعل نظام الطاعة هذا تعبيدا للبشر للأنبياء تأليها لهم، وإنما جعله وسيلة للعبودية الحقيقية لله تعالى وعلاجا ناجعا وتقويما للنفس الإنسانية لترتقي وتتصل بخالقها.

ومن أسباب الضلال التي غالبا ما يكون منشؤها الكبر أيضا هو أن الإنسان في كثير من الأحيان لا يدرك ما هو العلم النافع الذي يوصله إلى بغيته، فيعظِّم بعض الأمور ويهتمَّ بها ويظن أنها أهم الأمور، بينما لا تكون في الحقيقة ذات أهمية، ويبذل فيها جهدا ضائعا. لذلك كانت بعثة الأنبياء تتضمن توجيها إلى حقيقة العلم النافع الذي يجب أن يركز عليه الإنسان في كل وقت ويطبقه في حياته. وما كان الإعلان الإلهي بقوله:
{أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ } (الأَنعام 91)
إلا توجيها إلى أن هؤلاء قد هدوا إلى العلم الحقيقي النافع، ووفقوا للعمل به، فاقتدِ بهم يا من تريد الهداية الحقة إلى الله تعالى لتنال ما نالوا. فما أعظمها من منة وفضل إلهي علينا بأن خط لنا هذا الطريق وأرشدنا إلى العلم النافع عن طريق الأنبياء. فالأنبياء هم العلماء العاملون الحقيقيون الذين هدوا إلى العلم النافع وطبقوه عمليا فنالوا وصال الله تعالى ونعمه وبركاته.

وقد أنعم الله على الأمة الإسلامية بأن جعل فيها الخلافة وارثة للنبوة، وأوصل إلى الخلافة أناسا فطرتهم وكفاءاتهم هي فطرة الأنبياء، ووفقهم لتتبع سنة النبي صلى الله عليه وسلم على أكمل وجه، حتى إن الله تعالى قد ارتضى بهم واختارهم للخلافة معلنا أنهم من أولئك الذين هدى الله وأصبح واجبا علينا اقتداؤهم. ولهذا فقد اعتبر النبي صلى الله عليه وسلم سنتهم هي سنته، وأصبح واجبا على المسلم أن يتبعها ويقتفي أثرهم ويطيعهم طاعة كاملة، لأنهم في الواقع جزء من النبي صلى الله عليه وسلم وسنته وهديه، لذلك قال صلى الله عليه وسلم:
{فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ} (مسند أحمد, كتاب مسند الشاميين)
لذلك فإن إشارة أو حركة أو سكنة من الخليفة هي أولى وأهم من علوم وأفكار من يظنون أنفسهم علماء، إن لم يكونوا منسجمين انسجاما كاملا مع هذه الخلافة ومهتدين بهديها ومطيعين لها. فالعلم النافع الحقيقي هو ما تلمَّسه الخليفة وما طبقه ففاز باصطفاء الله، وكان هذا الاصطفاء إعلانا من الله تعالى على أنه قد رضي عنه وهداه دون سواه في زمنه، لذلك يجب أن يحرص المؤمنون على أن يركزوا على ما يركز عليه ويتركوا ما يتركه، ويسعوا لالتقاط أدنى الإشارات التي قد تكون سببا لإيصالهم إلى الله تعالى.

والحقُّ أن العالِم الحقيقي هو من يدرك جهله أمام سعة علم الله تعالى غير المحدود، وضعفه أمام جبروت الله وقدراته غير المتناهية، وتخبطه أمام حكمة الله الأزلية التي لا حدود لها. فمن العجائب التي أشار الله تعالى إليها هو أن الارتباط بالعلاقة الوثيقة مع الأنبياء والخلفاء تؤدي إلى التزكية التي هي التطوير والتنمية تلقائيا، حتى قبل أن يتعلم المؤمنون منهم الكتاب الحكمة، لأن لهم خواصَّ وتأثيرات روحانية غير مدركة، يدرك أثرها ولا تدرك ماهيتها، لذلك قال تعالى عن النبي صلى الله عليه وسلم:
{ هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ } (الجمعة 3)
فذكر التزكية قبل التعليم، لأن التعليم في الواقع إنما هو نتاج التزكية، إذ يصبح المؤمن مُعدًّا للتعليم والتبحر في الحكم بعد أن ينالها. أما قبل ذلك فتكون عيونه مغلقة وقلبه مصمت. فطوبى لمن تزكى بطاعة الله وأنبيائه، والحمد لله رب العالمين.


 

أخبار الجماعة

خطب الجمعة الأخيرة