إن أول قصيدة كتبها عليه السلام باللغة العربية كانت في مدح حبيبه سيد الأنبياء، ومنها نقتطف هذه الأبيات:
يَا عَـيْنَ فَــيْضِ اللهِ وَالْعـِرْفَان ِ
يَسْعَى إِلَيْكَ الْخَلْقُ كَالظَّمْآنِ
يَا بَـحْـرَ فَـضْـلِ الْمُنْعِمِ الْمَنَّـان ِ
تَهْوِي إِلَيْكَ الزُّمـرُ بِالْكِيزَانِ
يَا شَمْسَ مُلْكِ الْحُسْنِ وَالإِحْسَانِ
نَوَّرْتَ وَجْــهَ الْبَرِّ وَالْعُمْرَانِ
لاَ شَـكَّ أَنَّ مُحَمَّدًا خَيْرُ الْوَرَى
رَيْقُ الْكِرَامِ وَنُخْـبَةُ الأَعْيَانِ
تَـمّـَتْ عَلَيْهِ صِفَاتُ كُــلِّ مَزِيَّة ٍ
خُـتِمَتْ بِــهِ نَعْمَاءُ كُلِّ زَمَانِ
هُـوَ فَـخْرُ كُـلِّ مُطَـهَّرٍ وَمُقَدَّسٍ
وَبهِ يُبَاهِي العَسْكَرُ الرُّوحَانيِ
هُـوَ خَـيْرُ كُـلِّ مُـقَـرَّبٍ مُتَقَـدِّمٍ
وَالْفَضْلُ بِالْخَيْرَاتِ لاَ بِزَمَانِ
إِنِّي لَـقَـدْ أُحْـيِـيـتُ مِنْ إِحْيَائِهِ
وَاهًـا لإِعْـجَـازٍ فَـمَا أَحْيَـانيِ
يَـا رَبِّ صَلِّ عَـلَى نَبِيِّكَ دَائِمًـا
فيِ هَــذِهِ الدُّنْـيَـا وَبَـعْثٍ ثَانِ
يَا سَيِّدِي قَـدْ جِئْتُ بَابَكَ لاَهِفاً
وَالْقَـوْمُ بِالإِكْـفَـارِ قـَـدْ آذَانيِ
للهِ دَرُّكَ يَـا إِمَـامَ الْـعَـالَمِ
أَنْتَ السَّبُوقُ وَسَيِّدُ الشُّجْعَانِ
أُنْــظُــرْ إِليَّ بِـرَحْـمَةٍ وَتَحَنُّنٍ
يَا سَـيِّدِي أَنَا أَحْقَـرُ الْغِلْمَانِ
يَا حِبِّ إِنَّكَ قَــدْ دَخَلْتَ مَحبَّـةً
فيِ مُهْجَتيِ وَمَدَارِكِي وَجَنَانيِ
مِنْ ذِكْرِ وَجْهِكَ يَا حَدِيقَةَ بَهْجَتيِ
لَمْ أَخْـلُ فيِ لَحْظٍ وَلاَ فيِ آنِ
جِسْمِي يَطِيرُ إِلَيْكَ مِنْ شَوْقٍ عـَلاَ
يَا لَـيْتَ كَانَـتْ قُـوَّةُ الطَّيَرَانِ
وَفَـوَّضَنِي رَبِّي إِلَى فَـيْضِ نُـورِهِ
فَأَصْبَحـْتُ مِـنْ فَيَضَانِ أَحْمَدَ أَحْمَدَا
وَهَـذَا مِـنَ النُّـورِ الَّذِي هُوَ أَحْمَـدُ
فِـدًى لَكَ رُوحِي يَا مُـحَمَّـدُ سَـرْمَدَا
وَوَاللهِ لَــوْلاَ حُـبُّ وَجْـــهِ مُحَمَّــدٍ
لَمَا كَـانَ ليِ حَــوْلٌ لأَمْــدَحَ أَحْـمَـدَا
لقد مدح الكثيرون رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأنشد الكثير من الشعراء نعتا لخير البرية، وقرأنا الكثير من قريض البلغاء والأدباء والشعراء، ولكننا لم نر أحدا يُعبّر عن مقدار حبه بهذا التعبير، ولم نسمع همسات قلب ينبض بهذه النبضات التي يملؤها الحب والعرفان والتقدير. فهل يمكن أن ينطق لسان كاذب بهذه الكلمات؟ هل يمكن أن ينبض قلب مفتر بهذه النبضات؟ هل حدث في تاريخ الكذابين والمفترين الذين كانوا يفترون على الله الكذب ويدّعون النبوة كذبا أن صاغ واحد منهم حبه وشوقه وتقديره وتبجيله وامتنانه وعرفانه بفضل الرسول صلى الله عليه وسلم عليه وعلى الأمة وعلى الإنسانية كلها، كما فعل هذا الرجل الذي يصمه أعداؤه بأنه كان -والعياذ بالله- كاذبا مفتريا؟ فليُرنا هؤلاء كيف عبّر الكذابون والمفترون عن حبهم لرسول الله، وليأت هؤلاء بأبيات الشعر التي أنشدها مسيلمة الكذاب أو الأسود العنسي أو سجاح الكاهنة أو غيرهم ممن ادعوا النبوة كذبا.. في الزمن القديم أو الزمن الحديث، وليثبتوا لنا وللأمة الإسلامية كلها أن الكذاب الدجال الذي يفتري على الله كذبا يمكن أن تجيش مشاعره بهذا الحب الجياش، ويمكن أن تثور عواطفه بهذه المحبة الدفاقة، فيذوب وجدانه بـأرق الكلمات وأعذب الألفاظ وأجل التعبير وأعلى التقدير وأجمل البيان وأحلى الكلام في حب المصطفى صلى الله عليه وسلم. فإن لم يفعلوا.. وهم حتما لن يفعلوا.. فليتقوا الله ربهم، وليقرؤوا أبياته مرة أخرى، لعل قلوبهم تدرك صدق الإحساس، أويهتز وجدانهم لعمق المشاعر، أو ليقرؤوا هذه الأبيات التالية التي اقتطفناها من قصيدة أخرى يقول فيها:وَإِنَّ إِمَامِي سَيِّدُ الرُّسُلِ أَحْمَدُ
رَضِينَاهُ مَتْبُوعًـا وَّرَبِّي يَنْظُرُ
وَلاَ شَكَّ أَنَّ مُحَمَّدًا شَمْسُ الْهُدَى
إِلَيْهِ رَغِبْنَـا مُؤْمِنِينَ فَنَشْكُرُ
لَهُ دَرَجَاتٌ فَوْقَ كُلِّ مَدَارِجٍ
لَهُ لَمَعَاتٌ لاَ يَلِيـهَا تَصَوُّرُ
أَبَعْدَ نَبيِّ اللهِ شَيءٌ يَّرُوقُـنيِ
أَبَعْدَ رَسُولِ اللهِ وَجْـهٌ مُّنـَوَّرُ
عَلَيْكَ سَلاَمُ اللهِ يَا مَرْجِعَ الْوَرَى
لِكُلِّ ظَلاَمٍ نُورُ وَجْهِكَ نَـيِّرُ
مَدَحْتُ إِمَامَ الأَنْبِيَاءِ وَإِنَّهُ
لأَرْفَعُ مِنْ مَدْحِي وَأَعْلَى وَأَكْبَرُ
دَعُـوا كُلَّ فَخْرٍ لِلنَّبيِّ مُحَمَّدٍ
أَمَامَ جَلاَلَةِ شَأْنِهِ الشَّمْسُ أَحْقَرُ
وَصَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا أَيُّهَا الْوَرَى
وَذَرُوا لَهُ طُرُقَ التَّشَاجُرِ تُؤجَرُوا
وَوَاللهِ إِنِّي قّـدْ تَبِعْتُ مُحَمَّدًا
وَفي كُلِّ آنٍ مِّنْ سَنَاهُ أُنَوَّرُ
وَفَوَّضَني رَبِّي إِلَى رَوْضِ فَـيْضِهِ
وَإِنِّي بِهِ أَجْـني الجَنَى وَأُنَضَّرُ
وَلِدِينِهِ في جَـذْرِ قَلْبي لَوْعَةٌ
وَإِنَّ بَيَانِي عَنْ جَنَانِي يُخَبِّر