loader

نكتة شيقة في "إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا"

من المعلوم أن قوله تعالى:

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ } (الحجرات 7)

يُفهم على أنه دعوة للتبين من كل نبأ يخص قوما، وأن علينا التبيُّن كي لا نصيبهم بجهالة ونندم بعد ذلك.

ولكن، من اللافت أن الله تعالى قال "إن جاءكم فاسق بنبأ" ولم يقل " إن جاءكم أحد بنبأ" مثلا؟ فلماذا يأمرنا الله تعالى أن نتبين من نبأ الفاسق خاصة؟ ألم يكن كافيا أن يأمرنا بالتبين عامة عندما يردنا أي نبأ بغض صاحب النبأ؟

الفسق في أصله في اللغة هو الانفصال والخروج، فقد جاء في القواميس:
فَسَقَ كلُّ ذِي قِشْرٍ فَسَقَ فِسْقًا، وفُسُوقًا: خَرج عن قِشْرِه.
ويقال: فَسَقَتِ الرُّطَبَةُ عن قِشْرِها أي خرجت وانفصلت.
ويسمى الكافر فاسقا لأنه خرج عن أوامر الله تعالى ولم يلتزم بها.

ومن المعاني المرتبطة بالفسق هو الفساد أو الإفساد والتخريب الخفي في أي نظام، والذي هو خروج عنه في الحقيقة، والذي هو أصل معنى الفسق؛ ولذلك سمَّى النبي صلى الله عليه وسلم الفأرة بالفويسقة، وأمر بقتلها في الإحرام بل وفي الصلاة، وحذر من إبقاء السراج مشتعلا أثناء النوم لأن الفأرة قد تجر الفتيل وتحرق أهل البيت كما قال صلى الله عليه وسلم. ومن العجيب أيضا أن هذا الأمر النبوي ما زال صالحا حتى زماننا هذا رغم أنه لم يعد الناس يعتمدون على الأسرجة في الإنارة؛ فمعلوم أن الفأرة قد تقرض الأسلاك الكهربائية وتفسد الأنظمة الكهربائية والإلكترونية وكثيرا ما يؤدي ذلك إلى الحرائق.

ومما يدل على أن تسمية الفأرة بالفويسقة متعلِّق بإفسادها نظام البيت وسلامته هو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال عن الهرة أنها لا تقطع الصلاة وأنها من متاع البيت، لأنها لا تفسد ولا تخرب، بل تقتل الفأرة الفويسقة والحشرات والزواحف الضارة بالناس أو بالأطعمة المخزنة. فمن خطأ القواميس الظن أن تسمية الفويسقة له صلة بخروج الفأرة من جحرها، فهذا لا علاقة له بأصل معنى الفسق، كما لا يختص بالفأرة وحدها، فكل ذي جحر يخرج من جحره ولا يسمى فاسقا أو فويسقا!

وهكذا فإن مضمون الآية إنما يدعونا للنظر في حال صاحب النبأ وفي خلفيته وسلوكه وورعه وتقواه عموما، ويحذرنا من الخارج عن جماعته المتمرد عليها، وممن ثبت أنه قد عمل في التخريب والإفساد عندما كان معهم، أو من جاءنا بأخبارهم وأسرارهم وخان أمانتهم، وفي الإطار العام من الذي خرج عن أوامر الله تعالى وفسق بالمفهوم الشامل للفسق. فشخص كهذا يجب ألا يؤخذ كلامه موضع ثقة، خاصة إذا كان يريد أن يهيِّج ضد قومه السابقين ويحرِّضنا ويغرينا كي نصيبهم ونضررهم.

ومن الجدير أخيرا التبيان أنه لا يسمى فاسقا كل من ترك جماعته أو قومه وجاءنا؛ فالشريف لا يفشي أسرار قومه السابقين ولا يخونهم ولا يعمل ضدهم وهو بين ظهرانيهم، ثم إذا أتانا فهو يستمر في مواساتهم ويكون حريصا على مصلحتهم، وتراه يذكر محاسنهم ولا يفجر في خصومتهم، وهذا يكون محترما ومقدَّرا عند الفريقين. فالفاسق هو من خرج عن قومه بعد خيانة أمانة وتخريب وإفساد، ثم جنَّد نفسه بعد ذلك للتحريض ضدهم ولتهييج الآخرين عليهم بالأنباء الكاذبة والاتهامات الباطلة. ونحن أصحاب الحق ينبغي ألا نرحب بفاسق فاجر، وينبغي ألا نستفيد من خيانة خائن أو نعتمد عليها، فانتصارنا إنما هو بإيماننا وأخلاقنا.

هذه النصيحة إنما هي درة من الدرر القرآنية المتوهجة جمالا، والمتضمنة لكثير من المعاني في كلمات موجزة، كما هي عادة القرآن الكريم؛ تكرِّم الوفاء وتدين الخيانة والخائنين وتحذر منهم. فالحمد لله على هذا الكتاب العظيم الذي لم يجعل الله له عوجا. 


زاوية المقالات والمدونة والردود الفردية هي منصة لعرض مقالات المساهمين. من خلالها يسعى الكاتب قدر استطاعته للتوافق مع فكر الجماعة الإسلامية الأحمدية والتعبير عنها بناء على ما يُوفّق به من البحث والتمحيص، كما تسعى إدارة الموقع للتأكد من ذلك؛ إلا أن أي خطأ قد يصدر من الكاتب فهو على مسؤولية الكاتب الشخصية ولا تتحمل الجماعة الإسلامية الأحمدية أو إدارة الموقع أي مسؤولية تجاهه.
 

أخبار الجماعة

خطب الجمعة الأخيرة