loader

مشاهد لِلمغفرة الإِلهيّة ... 2

 

مشاهد لِلمغفرة الإِلهيّة  ...  2
بقلم: الصحابي الجليل لسيدنا المسيح الموعود عليه الصلاة والسلام
حضرة مير محمد إِسماعيل رضي الّله عنه
ترجمة: بشرى أعماراتي
 

يتابع حضرة مير محمد إسماعيل رضي الله عنه في وصف مشاهد المغفرة التي بدت له في تأمله وكشفه ويقول: 

 

6- ثم تقدّمنا فوجدنا ضجة كبيرة. كان أحد المذنبين الضعفاء يقف أمام شخص مُرصّع بالحسنات، وعندما رأَى هذا الأخير سيّئات المذنب قال: "أُقسم بالّله، لن يغفر لك الّله أبدا!" عندما سمع الحاضرون ذلك، بدأوا يتهامسون فيما بينهم: "صحيح ما يقول مولانا، إِنّ هذا الشخص هو فعلا كما يقول!"
فإِذا بِحُكم يصدر من الحضرة الإِلهيّة: "يا فلان، من أنت حتَى تقسم بمغفرتي؟ اذهبْ، لقد غفرتُ لهذا المُذنب، وأما أنت فسأصدر حُكمي لاحقا".
فإِذا بذلك الشخص يجري ناحية باب الجنّة وهو يضحك ويقفز.

                                            
7- وكذلك كان يجري حساب مجموعة من الناس، كانوا مُؤمنين لكن صحيفتهم كانت خالية من الأعمال الصالحة، لأنّهم رغم إِيمانهم بنبيّ زمانهم خانهم العمر وداهمتهم المنيّة. بعضهم كانت أعمالهم الصالحة صفرا. وفي هؤلاء صدر الحكم الإِلهي علَى ضوء الآية: { إنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ } (الشعراء 52).. أي لأنّهم كانوا أوّل من آمن بالنبي، فيكفي لِمغفرتهم أنهم كانوا السابقين الأولين، وإِن كانوا بعد إِسلامهم لم يعملوا أيَّ عمل صالح.

                                             
8- ثمّ تقدّمنا في سيرنا، فرأيتُ ذرية سيدنا يعقوب عليه السلام قد أتوا بعد نجاتهم من الحساب، وكان سبَبُ نجاتهم هو دعاء سلفهم الصالح، أي طلبوا من أبيهم أن يدعو لهم:
{يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ} (يوسف 98)
فدعا لهم:
{أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} (يوسف 99)

                                                  
9- ثمّ رأيت مجموعة من الناس قد استولت عليهم سيئاتهم وما كانوا يرون أيّ صورة لِلنجاة. فصدر حكم:
"هذا الذي يقف علَى اليمين، انظروا كم من المصلين صلّوا عليه صلاة الجنازة".
فعُلم أنّ أربعين من الموحدين المسلمين شاركوا في جنازته. فصدر قرار: "يا مالكُ، اتركه، لقد قبلتُ شفاعةَ أولئك الأربعين الذين صلوا عليه صلاة الجنازة".
فجاء دور الذي كان يقف علَى الشمال، فعُلم أن غالبية الصالحين في مدينته كانوا يذكرون أعماله الصالحة ويُثنون عليه. فقال المولَى: "بسبَب ثنائهم عليه، اتركوه أيضا!".
ثم جاء دور الثالث فأُثير سُؤال حول أحواله، فردّ الملائكة أنّ اثنين من المُؤمنين فقط كانا يمدحانه. فصدر القرار بأن يُترك هو أيضا.
المُذنب الرابع غُفر له لأنّ ثلاث صفوف من المسلمين كانت في جنازته.

ثم تقدمنا فرأيت أن أحد المُذنبين المسلمين قد نال النجاة فقط لأن ثلاثة من أبناءه ماتوا خلال حياته. وغُفر لسيدة مُؤمنة فقط لأنها تحمّلت صدمة موت ابنها.

ورأيتُ زوجين وكان حسابهما يدور. وإِذا بطفل ذي سنتين من العمر يجري ويأتي من مكان ما ويقول:
"هذا أبي وهذه أمي، لن أبرح حتَى آخذهما معي إِلَى الجنة ".
اغرورقت عيون الحاضرين برُؤية هذا المشهد. ؟
وإِذا بقضية والدين آخرين تُطرح، وكان يرافقهما طفل صغير حيث كان حبله الصُري ما زال مُلتصقا بصُرّته، وبدأ يبكي ويقول: "يا رب! أنا جنين أُسقطتُ خلال الحمل، وبفضلك نلتُ حق دخول الجنة، لكني لن أذهب هناك أبدا وأترك أبويّ في النار". فصدر حكم:
"من أجلك غفرتُ لهما، اذهبوا بهما أيضا إِلَى الجنة".
شدَّ الجنين أبويه بحبله الصرّي وأخذهما إِلَى الجنّة واغرَورقت عيون كل الحاضرين.


10- ثم تقدمنا۔ كان في صحيفة أعمال شخص بعض النقص، وتمّ استكماله ونال النجاة، لأنه كان يزور قبر والديه كل جمعة.
وعلَى الجانب الأيمن رأيتُ جمعًا غفيرا، وقد تبين أن في ميزان أعمالهم نقصا كبيرا، ولكن كلهم نالوا المغفرة لأن النبيّ (صلَى الّله عليه وسلّم) قد أمضَى ذات مرة كل ليله واقفا يدعو:
{ إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } (المائدة 119)
ونتيجة لاستجابة هذا الدعاء نال كل هؤلاء القوم من الأمّة المحمديّة النجاةَ.


11- انصرفنا من هناك ووصلنا إِلَى مكان يقف فيه مجرم ارتكب جريمة قتل. فقيل لي إن هذا الرجل قتل (٩٩) شخصا، ولكن بعد ذلك مال قلبه إِلَى التوبة، فذهب إِلَى راهب وسأله: "هل ستُقبل توبتي أم لا؟" أجابه الراهب: "لن تقبل أبدا". فتملكه الغضب وقتل الراهب أيضا. وبينما هو يمشي إِذ قال له بعض الناس أن يذهب إِلَى فلان من الصالحين، ويستشيره في أمر التوبة. فبدأ القاتل سفره إِلَى بلدة الرجل الصالح، ولكن نزل به قضاء الله فتوفي وهو في طريقه إلى الرجل الصالح. فبدأ ملائكة الرحمة وملائكة العذاب يختصمون فيه. قال ملائكة العذاب إِنّه لصّ ظالم وقاتل، وقالت ملائكة الرحمة إن هذا صحيح، لكنه كان في طريقه إِلَى التوبة. حاصل الأمر أنّه كان هنالك هيجان حول الموضوع.
فسمعتُ نداء يقول لقد صدر حكم من الحضرة الإِلهية: "كم المسافة بين جثته ووطنه وبلدة الرجل الصالح؟" فجاء تقرير من محكمة حضرة ميكائيل أنّ الجثة أقرب إلى بلدة الصالح بشبر واحد، فصدر الحكم:
"لقد قبلتُ توبته وغفَرت له، ألقوا عليه رداء مغفرتي!"


12- ثم تقدمنا ووصلنا إِلَى مكان كانت تُعرض فيه قضية إِحدَى كبار المُذنبين. قال الكرام الكاتبون: "يا إِله العالمين! إِنّ هذا كان يقترف الذنوب بالنهار ويبكي بالّليل قائلا: ربِّ! لقد أذنبتُ، فاغفرْ لي". وكان الّله تعالى يغفر له ويصدر حكمه:
"إِنّ عبدي هذا يعلم أنّ له ربًا يغفر الذنوب وهو قادرٌ أيضا علَى عقابه، فيا ملائكة، اشهدوا أنِّي قد غفرتُ له!"
ثم بعد بضعة أيّام كان هذا يعود لِلسيّئات ويدعو بالليل بأن يغفر الّله له، فكان الّله يصدر حكمه: "إِنّ عبدي هذا علَى يقين أنِّي قادر علَى أن أقدر عليه بسَبَب خطاياه وأنِّي قادر علَى أن أغفر له، فيا ملائكة، اشهدوا مرّة أخرَى أنّني قد غفرت له!"
ثم يعود هذا لِلمعاصي بعد فترة ويستغفر الّله بعد ذلك، وكان الّله يصدر نفس الحكم بأن عبدي يعلم أنَّني قادر علَى عذابه وأيضا قادر علَى أن أغفر له.
"هكذا قضَى هذا الشخص عمره في الذنوب وكانت صحيفةُ أعماله دائما سوداء، والآن ما حكمُه؟"
فقال الّله تعالَى: "لقد قلت ثلاث مرات: غفرتُ لعبدي فليفعل ما يشاء. ألم يتم تسجيل قراري هذا؟"
بعد البحث، وُجد هذا الحكم مسجلا في كتاب البخاري ومسلم، وحصل هذا المُتَّهم علَى الخلاص.

                                                                  
13- ثمّ تقدمنا فإِذا بي أرَى شخصا واقفا وقضيّته تُعرض. قال الكرام الكاتبون: "علاوةً علَى كل السيّئات، إِنّ هذا الشخص مُتّهم بجُرم آخر. لقد أوصى بنيه: إذا مِتُّ، فأحرقوا جثماني، ثم اذرُوا نصف الرماد في الريح والنصف الآخر في البحر، فوالله لئن قدَر عليَّ ربي ليعذبني عذابًا ما عذَّبه به أحدًا"
"بعد فترة مات هذا الرجل وفعل أبناءه ذلك به، وعند يوم الحساب والعقاب أحياه الّله تعالَى فما حُكمه؟"
قال تعالَى: "اسئلوه لماذا فعل ذلك؟"
فقال: "يا إِلهي، ما قُمتُ قطّ بأيّ عمل صالح وخشيتُك يا رب! وأنت المُطّلعُ علَى كل شيئ."
عندما سمع الّله تعالَى قوله قال: "إِنّه يقول الحقيقة، اتركوه، فلا بدّ أن كان في قلبه خشيتي وتقواي"

                                                                      
14- كان مجموعة من الناس يمشون في طريقهم إِلَى الجنّة فرحين، فسألتهم: "هل نِلتم النجاة؟"
قالوا: نعم
قلتُ: كيف؟
قالوا: عندما رآنا الباري تعالَى في المُصيبة قال: لقد سبق أن وعدتُ هؤلاء بالجنّة.
فسألتهم: وما هو ذلك الوعد؟
قالوا: لقد وعدنا الّله عن طريق رسوله (صلَى الّله عليه وسلّم) أنّه "من كان له أُنثَى فلم يَئِدْها ولم يُهِنْها ولم يُؤْثِر ولدَه عليها، يعني الذكور، أدخله الّله الجنّة" وعملاً بهذا الوعد تفضل علينا الّله بالجنّة.

                                              
15- ورأيتُ كذلك أن امرأة نالت الجنّة رغم قِلّة العبادات من صيام وصلاة وصدقات، لأنها كانت لا تُؤذي جيرانها بلسانها، وكان الكل سعيدا بها.

                                                            
16- ثم ظلَلنا نمشي هكذا حتَى رأيتُ مجموعة عظيمة من الشهداء لا يُعَدّون ولا يحصون. قال لي 'غفران': "إِنّ عدَد من مات منهم بالسيف قليل جدا، ولكن مغفرة الله ورحمته قد أوجَدت بفضله وسائل كثيرة للتشرف بدرجة الشهادة، مثلا:
• من مات في خدمة الدين موتا طبيعيا فهو شهيد حتى لو لم يُقتل بالسيف.
• من قتل دونَ ماله فهو شهيد.
• مؤمن مات بالطاعون فهو شهيد.
• امرأة ماتَت خلال وضع الحمل فهي شهيدة.
• من مات بداء ذات الجنب فهو شهيد.
• من مات بالإِسهال (المبطون) فهو شهيد.
• من مات بسبب الهدم (أي انهدم عليه جدار أو سقف) فهو شهيد، وغيره وغيره.
الحاصل أنّ الّله تعالى فتح سُبلا كثيرة لنيل الشهادة والمغفرة والمقام العالي بحيث أنّه لو قضَى المُؤمن حياته كلها في شكر المولَى فلن يُؤدّي حقّ مالكه. حتَى إنّ من تمنَّى الشهادة ودعا لها يُكتب شهيدا وإِن تُوفيّ علَى سريره.

                                                        
17- كان حساب النساء بالعموم خفيفا، وكان الحكم العام أنّ المرأة الّتي كانت تُصلي وتصوم، وتُحافظ علَى عفّتها، ولا تعصي زوجها، تدخل الجنّة من أي باب تشاء.

                                                       
18- ثمّ تقدّمنا غيرَ بعيد، فوصلنا إِلَى مكان يحاكَم فيه شخص تُوفي في زمان النبي صلَى الّله عليه وسلم. عندما مات خرج النبي صلَى الّله عليه وسلم ليصلي عليه، فقال له عمر رضي الّله عنه: "يا رسول الّله، لقد كان فاجرا فاسقا، فلا تصل علَى جنازته!"
توجه النبي صلَى الّله عليه وسلم لِلحاضرين في الجنازة وسألهم: "هل رآه أحدكم يعمل بأي شيئ من الإِسلام؟"
فردّ عليه النّاس: "نعم يا رسول الّله، لقد أمضَى ليلة في الحراسة في سبيل الّله". وبسماع ذلك صلَى عليه النبي صلَى الّله عليه وسلم وألقَى التراب علَى قبره، ثم وقف وقال: "يا أيها الميت، يظن أصحابك أنّك من أهل النّار، وأشهد إنّك من أهل الجنّة۔ يا عمر بن الخطاب! لا تنقب عن أعمال الناس، بل انظر هل كان يتّبع دين الإِسلام في المُجمل أم لا!"

                                                                        
19- أحد المُجاهدين المُؤمنين كانت أعماله قليلة، فوُضع في كفّة حسناته حصانه وعلف حصانه وروثه وبوله وغيره، حتَى رجحت الكفةُ علَى كفّة الذنوب والغفلة. فركب علَى حصانه وتوجّه مُسرعا إِلَى الجنّة.
وكذلك غُفر لعدَد كبير من النّاس لمجرّد أنّهم كانوا يُحبّون الأنبياء والأولياء والصالحين من أهل الّله. والمرءُ مع من أحبّه، أي رغم قلّة أعمالهم جُعلوا جيران الصلحاء بمقتضَى هذا الوعد.


                                               
20- ورأيتُ في مكان مجموعةُ الذاكرين المسبّحين ذاهبين إِلَى الجنّة تحت ظل أجنحة الملائكة. كان يتبعهم من الوراء شخص، فأشار إِليه 'غفران' وقال لي: "إِن لهذا حكاية عجيبة: في أحد الأيّام سأل الباري تعالَى الملائكةَ: ماذا رأيتم اليوم في الدنيا؟ قالوا: ربنا! كان بعض عبادك يذكرونك في أحد المساجد بكل شوق وذوق!
قال تعالَى: فاشهدوا أنَّي غفرتُ لهم! فردّ الملائكة: إِلهنا، كان في هذا المجلس رجل لم يأت هناك لِلذكر الإِلهي إنما جاء لحاجة له. قال الّله تعالَى: اشهدوا أنَّي قد غفرت له أيضا! هُم قوم لا يشقَى جليسُهم. فهذا هو الشخص الذي أشرتُ إِليه".

 


زاوية المقالات والمدونة والردود الفردية هي منصة لعرض مقالات المساهمين. من خلالها يسعى الكاتب قدر استطاعته للتوافق مع فكر الجماعة الإسلامية الأحمدية والتعبير عنها بناء على ما يُوفّق به من البحث والتمحيص، كما تسعى إدارة الموقع للتأكد من ذلك؛ إلا أن أي خطأ قد يصدر من الكاتب فهو على مسؤولية الكاتب الشخصية ولا تتحمل الجماعة الإسلامية الأحمدية أو إدارة الموقع أي مسؤولية تجاهه.
 

أخبار الجماعة

خطب الجمعة الأخيرة