loader

ما هو موقف الجماعة في الاستماع إلى الموسيقى والأغاني؟

(فتوى دار الإفتاء)
الجواب: حسب الشريعة يجوز الاستماع إلى الأغاني والأناشيد التي لیس فيها ما ينمّ عن الانحطاط الخلقي.

فعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعِنْدِي جَارِيَتَانِ تُغَنِّيَانِ بِغِنَاءِ بُعَاثَ، فَاضْطَجَعَ عَلَى الْفِرَاشِ وَحَوَّلَ وَجْهَهُ، وَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ فَانْتَهَرَنِي وَقَالَ: مِزْمَارَةُ الشَّيْطَانِ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَام فَقَالَ: دَعْهُمَا. فَلَمَّا غَفَلَ غَمَزْتُهُمَا، فَخَرَجَتَا.
(صحيح البخاري، أبواب العيدين، باب الحراب والدرق يوم العيد)

عَن الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذٍ قَالَتْ دَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَدَاةَ بُنِيَ عَلَيَّ، فَجَلَسَ عَلَى فِرَاشِي كَمَجْلِسِكَ مِنِّي وَجُوَيْرِيَاتٌ يَضْرِبْنَ بِالدُّفِّ يَنْدُبْنَ مَنْ قُتِلَ مِنْ آبَائِهِنَّ يَوْمَ بَدْرٍ، حَتَّى قَالَتْ جَارِيَةٌ: وَفِينَا نَبِيٌّ يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ. فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا تَقُولِي هَكَذَا، وَقُولِي مَا كُنْتِ تَقُولِينَ. (البخاري، كتاب المغازي)

وعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْلِنُوا هَذَا النِّكَاحَ وَاجْعَلُوهُ فِي الْمَسَاجِدِ، وَاضْرِبُوا عَلَيْهِ بِالدُّفُوفِ. (جامع الترمذي، باب ما جاء في إعلان النكاح)

وعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: أَنْكَحَتْ عَائِشَةُ ذَاتَ قَرَابَةٍ لَهَا مِن الْأَنْصَارِ، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: أَهْدَيْتُمْ الْفَتَاةَ؟ قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: أَرْسَلْتُمْ مَعَهَا مَنْ يُغَنِّي؟ قَالَتْ: لَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ الْأَنْصَارَ قَوْمٌ فِيهِمْ غَزَلٌ، فَلَوْ بَعَثْتُمْ مَعَهَا مَنْ يَقُولُ: أَتَيْنَاكُمْ أَتَيْنَاكُمْ، فَحَيَّانَا وَحَيَّاكُمْ. (سنن ابن ماجة كتاب النكاح، باب الغناء والدف)

وعَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ دَخَلْتُ عَلَى قُرَظَةَ بْنِ كَعْبٍ وَأَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ فِي عُرْسٍ وَإِذَا جَوَارٍ يُغَنِّينَ، فَقُلْتُ أَنْتُمَا صَاحِبَا رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمِنْ أَهْلِ بَدْرٍ، يُفْعَلُ هَذَا عِنْدَكُمْ؟! فَقَالَ اجْلِسْ، إِنْ شِئْتَ فَاسْمَعْ مَعَنَا، وَإِنْ شِئْتَ اذْهَبْ، قَدْ رُخِّصَ لَنَا فِي اللَّهْوِ عِنْدَ الْعُرْسِ. (سنن النسائي كتاب النكاح باب اللهو والغناء عند العرس)

لقد ألقى سيدنا المسيح الموعود عليه السلام الضوء مفصلا على هذا الأمر في كتابه "فلسفة تعاليم الإسلام" وقال:
"قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إن اللهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ * وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِن ... وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إلَى اللهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ" (النور: 31 - 32).. أي على المؤمنين أن يكُفّوا عيونهم عن رؤية المحارم، ولا يحدقوا بالنساء اللواتي ربما كن مثارا للشهوة، وأن يتعودوا في هذه المناسبات على غضّ البصر، أي النظر بطرف فاتر، ويستروا عوراتِهم قدر الإمكان. وكذلك يجب أن يصونوا آذانهم، فلا يسمعوا أغاني الأجنبيات وألحانهن، ولا يصغوا إلى أحاديث جمالهن، فإن ذلك أفضل طريق لطهارة العيون ونزاهة القلوب.
ثم يأمر النساءَ بمثل ذلك ويقول: قل لهن أيضا أن يحمين عيونهن من رؤية غير المحارم؛ وكذلك يحمين آذانهن منهم.. أي لا يسمعن أصواتهم المثيرة للشهوة؛ وأن يسترن أماكن الستر منهن، ولا يكشفن مواضع الزينة لهم؛ وأن تضع المرأة خمارها على رأسها بحيث يغطي الجيبَ مع الرأس.. أي يستر الجيب والرأس والأذن والصدغ؛ وأن لا يضربن أقدامهن بالأرض كالراقصات.
هذا هو التدبير الذي إذا اتخذه الإنسان يمكن أن ينجو من العثار.
والتدبير الثاني هو أن يتوبوا إلى الله تعالى، ويبتهلوا إليه ليحميهم من العثار وينجيهم من الزلل.
ثم يقول الله عز وجل: "وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَا إنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلا" (الإسراء: 33) .. أي ابتعدوا عن كل ما يدفعكم حتى إلى التفكير في هذه الفاحشة، ولا تسلكوا طرقًا فيها خطرُ الوقوع في هذه المعصية، فإن الذين يرتكبون الزنى يبلُغون السيئةَ ذروتَها. إن سبيل الزنى سيئ جدا، إذ يحول دون غايتكم ويُشَكّل خطرا شديدا على هدفكم الأخير.
: يقول سيدنا الخليفة الثاني للمسيح الموعود عليه السلام مفسرا الآية: "وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا" (الفرقان: 73) :
والمعنى الخامس للزور هو مجلس الغناء، وعليه فقوله تعالى "لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ" يعني أنهم لا يحضرون مجالس الموسيقى والغناء لكي يظلّوا محفوظين من تأثيرها السامّ، ولا يصبحوا غافلين عن الله تعالى فيتّبعوا الأهواء. وبناء على ذلك قد نصحتُ جماعتي بأن لا يشاهدوا السينما، لأن فيها الموسيقى والغناء التي تجعل قلب الإنسان غافلا عن الله تعالى. لقد كان الموسيقى والغناء مقتصرة على المسارح في الماضي، ولكنها قد انتشرت على نطاق واسع منذ اختراع السينما، لأن المسارح كانت في أماكن محددة، وكانوا يُحضرون فيها كبار المغنين والموسيقيين بنفقات باهظة، ثم لم تكن هذه المسارح تقدِّم إلا عرضًا واحدًا وفي مكان واحد، ولكنهم ينسخون الآن من عرض واحد مئات الأفلام وينشرونها في كل البلاد، فأصبح ضرر السينما أكثر من المسارح.

لقد قال النبي صلى الله عليه وسلم إن الغناء والموسيقى وغيرهما كلها أداة الشيطان يغوي بها الناس. ولكن المؤسف أن المسلمين نسوا هذه الوصية الإلهية الواضحة، وانغمسوا في الملذات وأنواع الترف إبان غلبتهم، وكانت النتيجة أنهم فقدوا الحكم...
وبرغم أن هذا الدمار الهائل الذي حل بالمسلمين في الماضي، فإنهم لا يزالون توّاقين إلى الغناء والموسيقى والسينما، ولا يريدون أن يأخذوا العبرة من تاريخهم! مع أن الله تعالى قد صرّح في قوله "وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ" أن المسلمين إذا أرادوا أن يدخلوا في عداد عباد الرحمن، فمن أكبر واجباتهم أن يتجنبوا مجالس الغناء والموسيقى، وأن يرغبوا في حب الله تعالى، وإذا فعلوا ذلك نجحوا، وإلا فلن يكونوا في مأمن من النتائج الوخيمة للموسيقى والغناء. (التفسير الكبير مجلد 6 سورة الفرقان)

ويقول سيدنا المصلح الموعود عليه السلام:
"إن الغناء في الأعراس أمر جائز حسب الشريعة، إلا أن الغناء لا بد من أن يكون إما دينيا أو غير ضار، فالأغاني التي تُنشد على سبيل المثال في الأعراس بأسلوب فكاهي هي غير ضارة البتة ولا ضير في غنائها لأنها إنما تنشد للتسلية ولا تؤثر سلبيا في الأخلاق". (فتاوى حضرة المصلح الموعود رضي الله عنه، جريدة الفضل 20/1/1945)
وقال حضرته بمناسبة أخرى:
"لا ضير في إنشاد الأناشيد في العرس بشرط ألا تكون فيها فاحشة ولا لاهية وهراء، وينبغي ألا تُنشد بأسلوب يثير الفواحش. (فتاوى حضرة المصلح الموعود عليه السلام ، جريدة الفضل 20/7/1915)

وسئل سيدنا الخليفة الرابع رحمه الله تعالى هل الاستماع إلى الموسيقى مكروه (في الدين)؟ فقال حضرته:
"نعم إن الموسيقى مكروهة لأن النبي صلى الله عليه وسلم  كان يكرهها، ولأجل ذلك لا توجد الموسيقى على الأيم تي أيه، لأنه إذا كان الصوت مع الموسيقى فإن اهتمام السامع يبقى بالصوت فحسب دون أن يتعدّى إلى المعنى. أما إذا قرئ شيء بصوت جذاب وبدون الموسيقى دخل مضمون الكلام في أعماق القلوب. وعليه فإن الموسيقى ربما جيدة من أجل خلق حالة من الوجد العابر، لكن لا خير فيها لفهم ما قيل.

وهناك أضرار أخرى للموسيقى وذكرتها في مناسبات شتى، ولكن ليس الآن وقت لبيانها. وما ينبغي أن تتذكروه هو أن الإنسان في هذا الزمان لا يسعه التجنب من الموسيقى، إذ لا يمكنك أن تمشي واضعا القطن في أذنيك طول الوقت. إذا لم تستمع إلى الموسيقى عمدا فستجدها في الأسواق، وتشاهد أفلام كرتون وستبدأ خلالها الموسيقى والرقص، فإلامَ تفرّ منها. إنه دخان الدجال لقول النبي صلى الله عليه وسلم مَن لا يغلبه الدجال يصله دخانه على الأقل. فالموسيقى أصبحت الآن موضة، ولا يمكن التخلي عنها كليًّا، فلا يمكن لأحد أن يكف عن سماع الموسيقى في العصر الراهن. ولكن إذا كان الأمر يتعلق بتقديم النموذج الديني الصحيح فهو كما نقدّمه على الأيم تي أيه حيث لا ندع الموسيقى تقترب إليها.

هذا وهناك أمر مهم لا بد من وضعه في الحسبان، وهو أن القرآن الكريم عندما يتكلم ضد الموسيقى أو أن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول شيئا ضدها، فله أسباب ودواع عديدة بينت أحدها. أما الأمر الآخر فهو أن الموسيقى قديمًا كانت هادئة تريح النفس، وخبراء الموسيقى الذين كانوا يكتبون الموسيقى لا يقومون بها إلا للحفاظ على النغم فيها، أما منع النبي صلى الله عليه وسلم من الموسيقى فيبدو أنه يتعلق بزمان الدجال الذي أخذت فيه الموسيقى طابعا سيئا، فالموسيقى اليوم لا تُخرج من باطن الإنسان إلا الأمور السيئة. إن الموسيقى التي تسمى بـ POP، فهي من أوساخ تخرج من باطن الإنسان مع الموسيقى. فإن كانت ثمة موسيقى جيدة، فهي أيضا تحولت الآن شيئا فشيئا إلى الأسوأ.

كنتُ ذهبت مرة إلى صالة تعرض فيها الموسيقى الكلاسيكية القديمة لأعرف ماهية الموسيقى، فحين تم عزفها اندهشت لوقعها على القلب، إذ كانت هادئة لدرجة ولّدت في النفس طمأنينة وشعورا بالارتياح، فعلمت آنذاك أن الموسيقيين القدماء كانوا يكتبون الموسيقى لسكينة النفس، أما الآن فإذا استمعتم إليها في صالات الموسيقى فإنها POP، وكلها سوء ولهو وهراء. (اللقاء مع النسوة الألمانيات، جريدة الفضل 24/6/2000 الصفحة 3، التسجيل 20 نوفمبر 1999)
 


 

خطب الجمعة الأخيرة