loader

الإسلام وشعار "حياة السود مهمة" – توجيهات الخليفة


بقلم: عابد خان/ السكرتير الإعلامي للجماعة الإسلامية الأحمدية

ما هي الجماعة؟ لقد أصبح هذا السؤال ملحًا بشكلٍ متزايدٍ اليوم، حيث اشتعلت مؤخرًا التوترات العرقية -التي لطالما احتدمت في الولايات المتحدة- بعد مقتل جورج فلويد وبريونا تايلور في وقتٍ سابقٍ من هذا العام.
وقد أدت وحشية الشرطة في مثل هذه الأحداث إلى زيادة الوعي وإلى دعم حركة "حياة السود مهمة" التي تأسست عام 2013، والتي تهدف إلى لفت الانتباه نحو المظالم التي تُرتكب بحق السود في الولايات المتحدة الأمريكية. ومنذ ذلك الحين، بدأت هذه الحركة بالحصول على دعم الناس في البلدان الأخرى أيضًا، مع إثارة أسئلة معقدة حول المجتمعات وأنظمة الدعم والمبادئ.

إذن، هل الجماعة شيء يجتمع فيه الأعضاء معًا للاستمتاع بأوقات الرخاء فقط ولجني ثمار النعم عندما يكون كل شيء على ما يرام؟ أم أنه في أوقات الشدة يتّحد أفراد الجماعة معًا ملتزمين بمبادئهم وعاقدين العزم دون خوفٍ ولا عقدةٍ دونية؟.
أتساءل ما الذي يميز الأحمدية كجماعة؟ ولماذا يعتبر الأحمديون أنفسهم مختلفين عن غيرهم من المسلمين وغير المسلمين؟ ولماذا لا يتورطون في الإرهاب أو التطرف؟ بل إن ردهم الدائم على الكراهية هو إظهار الحب والسلام والسجود على عتبات الله، بدلاً من رد الكراهية بمثلها والتوق نحو الانتقام.

وفي الوقت الذي يتم فيه التخلي عن الدين في جميع أنحاء العالم، استمرت جماعتنا في النمو والازدهار وانتشرت في جميع أرجاء الأرض، وانضم إليها الناس من جميع الأجناس والأعراق ومن كافة الخلفيات الاجتماعية والاقتصادية. ويعرف معظم الأحمديين، إن لم يكن جميعهم، أن الوحدة هي ما يميزنا.. فنحن متحدون معًا على يدٍ واحدة: يد حضرة خليفة المسيح الخامس (أيده الله تعالى بنصره العزيز).
يتطلب البقاء متحدين الإيمان بأن لارتباطنا الروحي بالمسيح الموعود عليه السلام وخلفائه، وقبل كل شيء بالقرآن الكريم وتعاليم نبي الإسلام ﷺ أهمية قصوى في حياتنا. هذا الرابط الروحي يفوق بكثير أي حركة سياسية ودنيوية قد تكتسب الشهرة بين الفينة والأخرى.
عندما علمت بدايةً بنبأ مقتل جورج فلويد أثناء تصفحي لوسائل التواصل الاجتماعي، لم أتفاجأ صراحة بأن رجلًا أسود قد قُتل على يد ضابط شرطة أبيض في أمريكا. كان الأمر عاديًا جدًا وعلى الرغم من شناعة الخبر، إلا أنه يُغطّ إعلاميًا كخبرٍ هام.

ولكن عندما رأيت مقطع الفيديو لما حدث بالفعل، أصبت بالصدمة تمامًا، لم يكن هناك شيء جديد بشأن مقتل شخصٍ أسود في الولايات المتحدة الأمريكية، لكن سبب صدمتي كان التفكير في كيف يفلت ضباط الشرطة البيض هؤلاء من العقاب! لقد ردد جورج فلويد مرارًا وتكرارًا متوسلًا الرحمة: "لا أستطيع التنفس، لا أستطيع التنفس"، بينما استقرت ركبة ضابط الشرطة بقوة على رقبته. ولما لم يشعر فلويد باقتراب الرحمة، نادى في لحظات وفاته على والدته قبل أن ينطفىء آخر ضوء في حياته بصورة وحشية.

كانت علامات الرضا التي ظهرت على محيا ضابط الشرطة والابتسامة التي ارتسمت على وجهه -إن لم أكن مخطئًا- أكثر ما صدمني وروعني.
كيف يمكن أن يكون هذا ممكنا في بلدٍ يدّعي أنه أكثر أمة متقدمة على وجه الأرض؟ وأنها مثال الفضيلة وما يسمى بأرض الحرية؟
وصل الاستياء والإحباط المتصاعدان اللذان يعاني منهما ملايين الأمريكيين الأفارقة إلى نقطة الغليان. في الواقع، هناك ركبة مجازية فوق أعناقهم منذ أجيال، وقد أثار مقتل جورج فلويد، من بين العديد من أشكال الظلم الأخرى المرتكبة بحقهم، موجة من المشاعر تُرجمت إلى احتجاجاتٍ جماهيرية.

وانتاب أبناء جماعتنا في جميع أنحاء العالم هذا الألم على الفور. كان الأحمديون في الولايات المتحدة متأثرين بشكل مباشر وشعروا بألمٍ كبير نتيجة لما يكنونه من حب للأمريكيين الأفارقة وتعاطفًا مع ما يمرون به من صعاب. كانوا يتساءلون: هل علينا، كمسلمين أحمديين، وكجماعة دينية، أن نرد بمثل ما يرد به العالم؟ هل علينا أن ننحني على ركبنا، ونرفع شعار "حياة السود مهمة"، هل ننضم إلى المظاهرات؟ أم هل علينا القيام بما هو أبعد من ذلك وننضم إلى من يمارسون العنف ويستغلون الاضطرابات في النهب والسلب؟ أم علينا أن نرد بحسب تعاليم الإسلام؟

هذا هو الخيار المطلق الذي كان أمامنا جميعًا قبل شهرين. فرد الجماعة، بحسب توجيهات وقيادة خليفة الوقت، سيكون دائمًا وبلا شك باتباع تعاليم الإسلام.
ما يجب أن يدركه كل أحمدي هو أن ما يقره ديننا لن يكون الخيار الأسهل دائمًا وهذا هو على وجه التحديد سبب تخلي عدد كبير من الناس في جميع أنحاء العالم عن دينهم.
لا ينبغي أن تكون ردة فعلنا الانحيازَ إلى مجموعة أو حركة خُلقت قبل بضع سنين والتي قد تتحول بسهولة إلى شيء آخر في غضون ثلاث أو أربع أو خمس أو عشر سنوات من الآن.
بل إن ردنا لا يكون إلا باتباع الأسوة الحسنة للنبي الكريم صلى الله عليه وسلم الذي أعلن في خطبة الوداع أنه "لا فضل لعربي على أعجمي ولا لأبيضَ على أسود إلا بالتقوى".
وجوابنا لا يكون إلا بالاسترشاد بالقرآن الكريم الذي أدان منذ البداية العبودية ودعا إلى تحرير من يرزحون تحت نير الظلم والقهر. لقد نص كلام الله بشكل لا لبس فيه على أن جميع الناس يولدون متساوين.

علاوة على ذلك، فإن ردنا يستند إلى مثال سيدنا بلال (رضي الله عنه) الذي ولد في حقبة عومل خلالها بازدراء لمجرد أنه رجل أسود. لقد كان لون بشرته الداكن يعتبر رمزًا للقذارة من قبل أسياد العبيد. ولكن نتيجةً لتقواه المثالية وإيمانه وشخصيته، قد رفعه نبي الإسلام (صلى الله عليه وسلم) نفسُه إلى أعلى المناصب، وجعله أول شخصٍ يرفع الأذان مناديًا الناس إلى الصلاة.

وبالتالي، فإن السؤال البسيط لشبابنا وللأحمديين جميعهم هو ما إذا كانوا يريدون أن يسلكوا الطريق الذي سيؤدي بالتأكيد إن شاء الله إلى العتق والحرية، ولكنه قد يتطلب منهم أن يمشوا عكس التيار.
يمكن القول إن الخيار الأسهل سيسمح لهم بحصد الإعجابات على إنستغرام، وسيوفر لهم منفذًا فوريًا لتهدئة إحباطهم.
قد يؤدي المسار الدنيوي إلى نجاحٍ قصير المدى، لكنه طريقٌ غير متماسك فهناك تصدعات وانشقاقات في حركة "حياة السود مهمة" وبعض الذين دعموا هذه الحركة في البداية، يبتعدون الآن ويقولون إنها تتحول إلى حملة سياسية يسارية متطرفة أو أنها قد اتخذت أهدافًا أخرى لا تتماشى مع أهداف الأغلبية.

بعد يوم أو يومين من وفاة جورج فلويد، استرشدتُ توجيهات حضرة خليفة المسيح الخامس (أيده الله تعالى بنصره العزيز)، وكان أول ما لاحظته الألم والحزن في صوت حضرته وهو يصف مقتل جورج فلويد.. كان قد شاهد الفيديو وسمع الأخبار.
قال حضرته على الفور إن من واجب الجماعة إدانة هذه الوحشية وبذل كل جهد ممكن لتسليط الضوء على بشاعة هذه الجريمة وعلى الظلم طويل الأمد ضد السود في الولايات المتحدة. وقال إن علينا أن لا ندافع عنهم فحسب، بل يجب أن نسعى أيضًا لتحقيق العدل والمساواة.
في حين أن طريق الإسلام قد لا يكون الأسهل دائمًا، أو قد لا يحظى بقدرٍ كبير من الاعتراف على المدى القصير، إلا أنه بلا شك الطريق المـُمهّد بالحكمة ودرب النجاح الأول والأخير.

أعرب بعض الأحمديين آنذاك عن رغبتهم في الانضمام إلى حركة "حياة السود مهمة" الاحتجاجية، وبناءً على ذلك، قال حضرة الخليفة بوضوح إن الانضمام إلى الاحتجاجات السلمية حقٌ شخصي لمن يرغب في ذلك. وبالتالي، إذا كان أي شخص يظن أن الجماعة قد سعت إلى تقييد حقه في الانضمام إلى هذه الاحتجاجات فهو مخطئ.
ولكن حضرته قد قال بحزم إنه لا ينبغي على الناس المشاركة في أي أمرٍ قد يلحق الأذى ببلادهم، أو حيث يمكن أن يحدث العنف أو أي سلوك إجرامي آخر. ما الذي سيحققه هذا غير نزول المتظاهرين إلى مستوى ظُلّامهم؟

على المستوى الإنساني، كان أمير المؤمنين قلقًا جدًا على سلامة وأمن المسلمين الأحمديين. هو يحب كل أحمدي.. كل رجل، وكل امرأة، وكل طفل، بغض النظر عن عرقهم أو مكان إقامتهم. لست بحاجة إلى تكرار الأحداث التي لا حصر لها والتي شهدتها شخصيًا على مر السنين والتي أظهرتْ الحب الذي يكنه خليفة الوقت لكل أحمدي، وكيف يشارك ويشعر بأحزانهم وأعبائهم.
لا يتحمل الخليفة أن يلحق بأحمدي واحد أي أذى، كما أنه لا يريد أن يتورط أي شاب أو أي فرد من أبناء الجماعة في أمرٍ قد يؤدي إلى اعتقاله وتدمير حياته.
بالإضافة إلى ذلك، أكد أمير المؤمنين أن مثل هذه الاحتجاجات محدودة التأثير.

من يستطيع أن ينكر هذا المنطق؟ فقد أقيمت المسيرات والتظاهرات في الولايات المتحدة منذ عقود، وجاء عمالقة حركات الحقوق المدنية وذهبوا، وفقد بعضهم حياته بصورة وحشية، ومع ذلك استمرت هذه العنصرية المنهجية. بينما يقوم الامتياز الأبيض بكل ما في وسعه للحفاظ على الماضي. أما خليفة المسيح (نصره الله) فإنه يدعو إلى تغييرٍ حقيقي.
فتوجيهات خليفة المسيح هي أنه إذا أراد المجتمع الأسود أن ينهض ويزدهر فعليه أن يسعى ويجتهد.

لقد عاش حضرته في إفريقيا وهو يعتبر الأفارقة ألمع نجوم البشرية. إنه يعرف الإمكانات الغنية للعرق الأسود وقد أعرب علانية عن أمله بأن يصلوا إلى قيادة العالم.
وفي الوقت الذي يواصل فيه الناس النظر بازدراء إلى السود، كان خليفة الوقت يظهر باستمرار حبه وتقديره لمواهب الأفارقة والأمريكيين الأفارقة ويشيد بذكائهم وتقواهم. لقد أوضح حضرته أن الأمر يتطلب وقتًا وجهدًا كبيرًا، وقبل كل شيء، إيمانًا ثابتًا لا يتزعزع بالله تعالى.

لقد بيّن حضرته أن على الأمريكيين من أصل أفريقي وجميع الأقليات التي يُنظر إليها بازدراء أو الذين يتعرضون للمظالم أن يستخدموا حقوقهم الديمقراطية من القاعدة حتى أعلى مستوى.
اقترح بعض الناس أنه قد يكون من المفيد مقاطعة العملية الديمقراطية كوسيلة للاحتجاج، لكن أمير المؤمنين كان واضحًا جدًا أن مثل هذه الاحتجاجات عقيمة ولن تؤدي إلا إلى ترسيخ السلوكيات القائمة سابقًا. علاوة على ذلك، لا يتعلق الأمر فقط بالتصويت في الانتخابات الرئاسية المقبلة في نوفمبر، ولكن بالمشاركة في كل مجال، وعلى جميع مستويات المجتمع: اذهبوا إلى اجتماعات مجلس المدينة أو انضموا إلى جمعيات الإسكان، والأهم من ذلك كله، ثقفوا أنفسكم حتى تعرفوا حقوقكم وتكون لديكم القدرة على الوقوف والدفاع عن أنفسكم - ليس من خلال العنف أو التصرفات الوحشية، وإنما من خلال قوة المعرفة التي لا يمكن وقفها. ترشحوا للمناصب إذا كان لديكم الإمكانات.

ربما شهدت أمريكا أول رئيس أسود لها قبل بضع سنوات، لكن هل يتم تمثيل السود بشكل متناسب في جميع مجالات المجتمع - في كل منطقة، وبلدة، ومدينة، وولاية؟ هل يصلون إلى مستويات ومراتب عليا في المجتمع؟
الحقيقة المُرة هي أن الناس الدنيويين لن يروك إلا عندما يمكنك التأثير عليهم. على سبيل المثال، إذا كانوا يعتقدون أن أصوات السود في الانتخابات يمكن أن تؤدي إلى تأرجح الانتخابات، فسوف يستمعون إلى الأمريكيين الأفارقة. والأمر نفسه ينطبق على الباكستانيين أو الآسيويين الآخرين الذين يعيشون في الغرب كأقليات. لهذا السبب، عندما يُسأل أمير المؤمنين عن الاضطهاد الذي تتعرض له جماعتنا في باكستان، ويَسأل أنصارنا، سواء كانوا سياسيين أو غيرهم من كبار الشخصيات أو نشطاء في مجال حقوق الإنسان كيف يمكنهم المساعدة، يرد حضرته أن عليهم أن يحاولوا مساعدة الأحمديين في الحصول على حق التصويت في باكستان، ولا يقول لهم إن عليهم في المقام الأول تحدي الحكومة الباكستانية لإلغاء قوانين التجديف اللاإنسانية. بل يقدم أمير المؤمنين بحكمة اقتراحاتٍ واقعية عملية ويحثهم على اتخاذ الأمور خطوة بخطوة.

عندما سألتُ حضرته عما إذا كان ينبغي للجماعة أن تنحاز إلى حركة "حياة السود مهمة" وأبلغته أن بعض الأحمديين قد عبروا عن دعمهم لهذه المنظمة وأرادوا أن تصادق عليها الجماعة رسميًا، أتذكر أنني بمجرد أن قلت هذا، بقي أمير المؤمنين صامتًا لبرهة، إلى متى بالضبط لا أتذكر، ربما لـ 30 ثانية أو دقيقة.
بعد هنيهة من التفكير، قال أمير المؤمنين: "حياة الأبرياء مهمة" و"سيادة العدل".. هذان هما التعبيران اللذان علينا استخدامهما.
باللاشعور فكرت أن هذين المصطلحين سيثيران الجدل لا سيما "حياة الأبرياء مهمة".
فأولاً عارض الناس بشدة وانتقدوا أولئك الذين لم يستخدموا شعار "حياة السود مهمة"، معتبرين أنها إهانة لحقوق السود. علاوة على ذلك، تم استخدام بعض المصطلحات مثل "حياة الجميع مهمة" من قبل اليمين البديل أو غيره ممن بدا أنهم ينكرون وجود أي مشكلة تتعلق بعدم المساواة العرقية. ومع ذلك، بعد أن رأيت بنفسي كيف فكر وتأمل أمير المؤمنين (أيده الله تعالى بنصره العزيز)، بتّ متأكدًا تمامًا من أن هذين الشعارين اللذين قدمهما أمير المؤمنين سيثبتان أنهما ذوا قيمة حقيقية.

ثم عندما أوضح أمير المؤمنين (أيده الله تعالى بنصره العزيز) هذين المصطلحين، شعرت بالفخر. لقد رأيت كم نحن محظوظون بوجود قائد لا يفكر في كيفية الفوز بالمسابقات الشعبية، بل يركز فقط على كيفية حل المشكلات التي تواجه البشرية وفقًا لتعاليم القرآن الكريم والأحاديث الشريفة، والتي هي مصدر إلهامه الحقيقي في جميع الأوقات.

قال أمير المؤمنين (أيده الله تعالى بنصره العزيز):
"إن أفعالنا، كمسلمين أحمديين، ستكون دائمًا مدعومة بتعاليم الإسلام. وعليه، فإن أقوالنا وتصريحاتنا لا تقف وراءها أي سياسة وإنما هي مستمدة دائمًا من القرآن الكريم وسنة نبي الإسلام صلى الله عليه وسلم وتعاليمه. ولهذا السبب، فإن الشعار الأفضل الذي يجب رفعه لمواجهة هذه القضية هو "حياة الأبرياء مهمة" و"سيادة العدل".
ثم أضاف حضرته:
"ومع ذلك، إذا كان الأحمديون يرغبون في التغريد شخصيًا (على تويتر) أو استخدام مصطلح "حياة السود مهمة" فيمكنهم فعل ذلك."
كما ذكرت آنفًا، اعتقدت أن مصطلح "حياة الأبرياء مهمة" سيثير الجدل بشكل خاص، فمن ذا الذي سيصنف على أنه "بريء" أو "غير بريء"؟ قد يفترض بعض الناس أنه يستبعد السود أو الآخرين الذين ارتكبوا أخطاء أو خيارات سيئة بسبب الظروف التي نشأوا فيها وافتقارهم إلى الفرص.
ومع ذلك، أظهرت لي الطريقة التي أوضح بها أمير المؤمنين هذا المصطلح أن هذه المخاوف لا أساس لها من الصحة. هذا الشعار هو خلاصة تعاليم الإسلام في تقدير كل إنسان بغض النظر عما إذا كان لونه أسود أو أبيض أو أي لون آخر.

قال أمير المؤمنين (نصره الله):
"إن مصطلح "حياة الأبرياء مهمة" واسع جدا وهو مبني على قول الله تعالى في القرآن الكريم: "مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا" ولا يعني ذلك أن الذين يرتكبون جُنَحًا قانونية صغيرة أو ينجرّون لذلك بسبب الظروف التي نشأوا فيها، حيث حرموا من الفرص والعدالة، غير أبرياء. في الواقع، إن أجبروا على ارتكاب مثل هذه الجرائم لإطعام عائلاتهم أو من أجل العيش فإنهم أبرياء جدًا"

وتابع حضرته قائلًا:
"غير الأبرياء" هم أولئك الذين يملكون القوة والثروة ويستعملونها في اضطهاد الآخرين والتضييق عليهم، وارتكاب المظالم وإنكار حقوق الناس.
و"غير البريء" هو ذلك الذي يتعدى على قدسية الحياة، وخير مثال على ذلك رجل القانون الذي أساء استعمال سلطته بوضع ركبته دون شفقة على رقبة رجل رافضًا رفعها لمدة 9 دقائق تقريبًا على الرغم من أن الرجل الأعزل قد ردد مرارًا: "لا أستطيع التنفس"

لذا، من حيث الجوهر، إذا كان لديك ثقة بتعاليم الإسلام، فسوف تدرك سريعًا أن مصطلح "حياة الأبرياء مهمة" ذو قيمة كبيرة، إنه في جوهره دحضٌ واضح ورفضٌ لجميع أشكال الاضطهاد والظلم والقمع. إنه دعوة للبشرية لإظهار إنسانيتها والتخلي عن كافة أشكال الاستعباد والمضايقة وعدم المساواة.

فيما يتعلق بسيادة العدالة، أعرب بعض الأشخاص لاحقًا عن مخاوفهم من أنه قد يحمل بعض الدلالات أو الارتباط بـ "تفوق العرق الأبيض"، ولكن لا يمكن أن يكون هناك ما هو أبعد عن الحقيقة من ذلك.
شارحًا معنى هذا المصطلح، قال أمير المؤمنين (أيده الله تعالى بنصره العزيز):
"إن مصطلح "سيادة العدل" مستوحى من التعاليم القرآنية حول أن العدالة هي الأساس، وكذلك من خطبة الوداع للنبي الأكرم صلى الله عليه وسلم التي قال فيها إنه لا فضل لعربي على أعجمي ولا لأبيضَ على أسود، ومن ثم، فإن هذا المصطلح يردُّ ويدحض ادعاء أولئك الذين يرون "تفوق" العرق الأبيض، ففي الواقع "العدالة" هي صاحبة اليد العليا".

لذلك، بدلاً من أن يحمل أي دلالة على تفوق البيض، فإن هذا المصطلح يرفض في الواقع فكرة أي شكل من أشكال التفوق العنصري. بل ويوضح أن العدالة والمساواة فقط هي التي يمكن اعتبارها صاحبة السيادة.
في الأسابيع الأخيرة، كتب أمير المؤمنين (أيده الله تعالى بنصره العزيز) سلسلة من الرسائل إلى بعض قادة العالم في ذروة جائحة فيروس كورونا، وفي هذه الرسائل، بيّن حضرته، دون خوف أو تردد، أنه يجب النظر إلى هذا الوباء على أنه تحذيرٌ من الله تعالى، لأنه كشف مدى هشاشة قوة وجبروت تلك الدول التي تعتبر نفسها غالبة وقوية. وقال إن الوقت قد حان لكي تنيب الأمم وقاداتها إلى الله تعالى.

لقد حظيت وتشرفت بأن يملي علي حضرته هذه الرسائل وأن أقوم بطباعتها.
كما كتب حضرته رسالة إلى رئيس الولايات المتحدة الأمريكية، كونه قائد إحدى القوى الكبرى. ولكن قبيل إرسالها، وقعت حادثة مقتل جورج فلويد. وبناءً على ذلك، وفي وقتٍ متأخرٍ جدًا من الليل، عندما يفترض معظم الناس أن أمير المؤمنين يستريح أو يقضي وقتًا مع عائلته، تلقيت رسالة من حضرته توضح كيف كان ذهنه في تلك الساعة المتأخرة مشغولاً بأمور أخرى.

قال أمير المؤمنين (نصره الله) في هذه الرسالة:
"أود أن أضيف في رسالتي إلى الرئيس ترامب فقرة إضافية تتعلق بضرورة أن يعامل جميع مواطنيه، بغض النظر عن عرقهم أو لونهم، بمساواة وعدالة مطلقة، وأنه يُتوقع من رئيس الولايات المتحدة أعلى معايير المساواة وعدم التمييز."
وهكذا، في رسالته إلى الرئيس ترامب، والتي تم تسليمها إليه مؤخرًا، كتب أمير المؤمنين (نصره الله):
"من أجل السلام والوئام في أي أمة، من الضروري أن تعامل الحكومة والسلطات المحلية ووكالات إنفاذ القانون جميع مواطنيها على قدم المساواة، بغض النظر عن لون بشرتهم أو عرقهم. وفي هذا الصدد، فإن توقع العدالة المطلقة وعدم التمييز من زعيم بلد مثل الولايات المتحدة عالٍ بشكل خاص."

بصرف النظر عن التماس إرشادات أمير المؤمنين في العديد من اللقاءات حول هذه القضية، فقد رأيت حبَّ أمير المؤمنين للأمريكيين من أصل إفريقي وللسود يشع من كل كلمة من كلماته، ورأيت كذلك مدى رغبته في رؤيتهم يحققون السلام الحقيقي والأمن والعدالة حتى يتمكنوا ويتمكن أبناؤهم والأجيال القادمة من صدّ موجة القمع الشرسة التي يواجهونها منذ قرون.

أقول بكل تواضع إن على كل مسلم أحمدي أن يفكر ويسأل نفسه عما إذا كان مستعدًا للتمسك بمبادئ الإسلام. إنه سؤال يجب أن يسأله كل واحد منا بايع المسيح الموعود (عليه السلام)، وهل نلتزم بتعاليم وأوامر القرآن الكريم في السراء والضراء؟ أم أننا سنتخلى عنها من أجل إرضاء من لا نعرفهم، والذين غالبًا ما تتعارض قيمهم مع القيم التي نشأنا عليها؟
هل نريد أن نكون من بين أولئك الذين يظلون مخلصين حقًا لرسالة المسيح الموعود (عليه السلام) ولمؤسسة الخلافة الأحمدية؟ أم هل سنتخلى -لا قدّر الله- عن إيماننا وثقتنا وطاعتنا للخلافة رغم أن خليفة الوقت هو الذي أظهر لنا باستمرار أن ديننا هو الوسيلة الحقيقية للسلام والحرية والمساواة؟
إن رد فعلنا أيام المحن والأوقات العصيبة وليس في لحظات السعادة والرضا -كما قلت في البداية - هو الذي يحدد ماهيتنا كأشخاص.

فتذكروا دائمًا أننا من نحلف بكلام القرآن الكريم الذي يقول: "فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا" وهذا يشمل باكستان، حيث يستشهد أبناء جماعتنا ويُقتلون بوحشية منذ عقود، ولم تَسْلَم هناك حتى السيدات الأحمديات اللواتي سُجنّ في ظروفٍ مرعبة. أو بنغلاديش حيث لم تسلم قبور أطفالنا ذوي الأعوام الثلاثة، أو عندما يناضل المرء من أجل حقوق من يتعرضون للاحتقار والقمع والانتهاك، حتى يتحرروا من الظلم وينالوا المساواة الحقيقية، فيجب أن تكون تصرفاتنا الآن ودائمًا وفقًا لتعاليم الإسلام.

هذا هو التحدي الذي نواجهه، وأنا على يقين من أنه بفضل الله ودعاء وتوجيهات الخلافة الأحمدية، سيجني الأحمديون المخلصون جميعهم ثمار أعمالهم وسينالون أجر صبرهم بإذن الله وستستجاب أدعيتهم ما داموا ثابتين ومتحدين على يد الخلافة.
 


زاوية المقالات والمدونة والردود الفردية هي منصة لعرض مقالات المساهمين. من خلالها يسعى الكاتب قدر استطاعته للتوافق مع فكر الجماعة الإسلامية الأحمدية والتعبير عنها بناء على ما يُوفّق به من البحث والتمحيص، كما تسعى إدارة الموقع للتأكد من ذلك؛ إلا أن أي خطأ قد يصدر من الكاتب فهو على مسؤولية الكاتب الشخصية ولا تتحمل الجماعة الإسلامية الأحمدية أو إدارة الموقع أي مسؤولية تجاهه.
 

أخبار الجماعة

خطب الجمعة الأخيرة