loader

من براهين وجود الخالق عزّ وجلّ..3

 

البرهان الرابع:

 

عامل الإنتروبيا

يقول العلماء: إنه لا يمكن للكون أبدًا أن يكون أزليا بالنسبة لماضيه، وذلك بسبب عامل الإنتروبيا.

ببساطة، الإنتروبيا تعني أنّ الكون المادي، في أي شكل موجود، يفقد باستمرار جزءًا متناهي الصغر من كتلته في شكل طاقة منفلتة، والتي لا يمكن استرجاعها مرة أخرى.

قبل الفهم الكامل لعامل الإنتروبيا، اعتقدَ غالبيةُ العلماء أنه لا توجد حاجة للخالق، لأن جميع أشكال الوجود استمرت في الوجود منذ الأزل. الآن أحدثَ فهمٌ أفضل للإنتروبيا ثورةً في وجهة النظر هذه، على الأقل، لدى بعض أعضاء المجتمع العلمي.

لقد أثبت العلماء أنّ كل تفاعل كيميائي إما أنه يطلق طاقة أو يمتصها. وكل هذه التبادلات للطاقة لا تنتج أي نفايات دائمة. ولكن هناك فقدان بعض الطاقة الذي هو ثابت ولا رجعة فيه، ولا علاقة له بالتفاعلات الكيميائية الطبيعية.

عندما يتم إنشاء جزيء من الماء عن طريق خلط الهيدروجين والأكسجين، فإنه يطلق جزءًا من الطاقة التي دخلت في صنعه. أثناء حدوث هذا التفاعل الكيميائي. لا يمكن إعادة تحويل الماء مرة أخرى إلى هيدروجين وأكسجين إلا إذا تمت إعادة توفير كمية الطاقة التي تم إطلاقها أثناء تخليق الماء لفصل مكونات الماء، أي الأكسجين والهيدروجين، مرة أخرى.

على هذا النحو، يؤكد العلماء أنه يجب على المرء أن يكون على يقين من أنّ الكون يفقد باستمرار شيئًا لا يمكن إعادة تدويره أبدًا، ولا يمكن إضافته إلى كتلة الكون مرة أخرى.

* الاستنتاج الحتمي فيما يتعلق بتأثير "الإنتروبيا"

يمكن فحص الخلود في علاقته بالماضي وكذلك بمستقبله. العلماء—الذين يعتقدون بأزلية المادة—يعتقدون أنها أزلية فيما يتعلق بكل من ماضيها ومستقبلها. هذا يعني أننا عندما ننظر إلى الوراء، لا يمكن تصور أي نقطة على أنها بداية أي شيء موجود. الخلود ليس له بداية ولا نهاية.

البروفيسور ادوارد كيسل رئيس جامعة سان فرانسيسكو، كتب يقول:

".. لا تزال. الحياة مستمرة، والعمليات الكيميائية والفيزيائية جارية، ومن الواضح أن كوننا لم يكن من الممكن أن يكون موجودًا منذ الأزل، وإلا لكان قد نفد منذ فترة طويلة من الطاقة المفيدة ولتوقف عن الوجود. لذلك، وبشكل غير مقصود، يُثبت العلم أنّ كوننا له بداية. وبذلك أيضا، يثبت حقيقة وجود الله، لأن كل ما له بداية لم يبدأ من تلقاء نفسه، ولكنه يتطلب محركًا رئيسيًا، خالقًا، الله.

KESSEL E.L). (1968) لنلقي نظرة على الحقائق ، دون انحياز أو تحيز. في: الدليل على وجود الله في الكون المتوسع بقلم Monsma ، JC Thomas Samuel Publishers ، الهند. ص 51) عن كتاب (الوحي، العقلانية، المعرفة، الحق) لحضرة ميرزا طاهر أحمد رحمه الله

وهكذا ، فإن النظرية الأسطورة الزاعمة بخلود المادة قد نُسفت من الوجود باكتشاف الانتروبيا.

حتى لو تم تصور هذا الكون بطريقة ما ليكون أزليًا، فسيستمر في فقدان كتلته باستمرار تحت تأثير الإنتروبيا. من الناحية المنطقية، يمكن لهذا أن يعني فقط أن الكون يجب أن يصبح غير موجود في وقت بعيد عنا إلى الأبد. بالنظر إلى الماضي من أي نقطة زمنية، ستَظهر الأزليةُ لنا على أنها لا نهاية لها كما ستظهر عند النظر إليها من نقطة زمنية أخرى—بعبارة أخرى، لا يمكن مطاردة الأزلية، إلى أي لحظة في الزمن، لا وجود لها بعده.

يمكن لأي شخص أن يتخيل نفسه يطارد الأزلية إلى الوراء في الوقت المناسب. حتى لو سافر المرء في اتجاه الماضي لتريليونات أضعاف تريليونات المرات من تريليونات السنين، جالسًا على أكتاف الضوء، فلن يتمكن أبدًا من العثور على نهايته الأخرى؛ إذا فعل ذلك، يمكنه الاطمئنان إلى أنّ سعيه كان خطأ—لم تكن الأزلية تلك التي كان يطاردها!

الآن تخيل أن هذا الرجل، مرة أخرى، يسافر للخلف بحثًا عن الكون. إذا وجد كونا، فإنّ الأزلية ستنتزعه من يده وتدفعه إلى طريق اللانهاية مرة أخرى.

يمكن لهذا لمسافر أن يتوصل بسهولة إلى أنه بعيد عن تلك النقطة الزمنية—المفترضة. لقد كان لدى الإنتروبيا وقت كافٍ لابتلاع عدد لا نهائي من هذه الأكوان.

ارجع، الآن، من هذا السعي الافتراضي من الماضي إلى الحاضر، واستفسر من نفسك: لماذا يوجد هذا الكون في هذه المرحلة الزمنية؟ ألا يجب أن يكون قد تم إفناؤه بالكامل بواسطة الإنتروبيا، بحيث أنه ما كان يمكنه الاستمرار في الهروب من التتبع أثناء رحلته إلى الماضي اللامتناهي؟

يمكن للمرء أن يقول إن العلماء اكتشفوا أنّ الكون بأكمله سينجذب مرة أخرى إلى ثقب أسود. هذا الثقب الأسود سينفجر، في وقت لاحق، في انفجار كبير آخر ليطلق كتلته المحبوسة مرة أخرى. السؤال الآن هو: ألن يتم توفير الطاقة المفقودة بواسطة الإنتروبيا مرة أخرى إلى مادة الكون وقت حدوث انفجار جديد، (الانفجار العظيم الجديد) بعد أن ابتلع الكون في آخر ثقب أسود؟

رداً على هذا السؤال نقول: يلاحظ العلماء أنه في كل مرة يجرّ ثقبٌ أسودٌ عملاقٌ الكونَ إلى أعماقه السحيقة، فإنه لا يمكنه سحب كمية الطاقة التي طردها الإنتروبيا من الدورة المتتالية قبل هذا الحدث. كما أنه لا يمكنه تغذية الكون، وقت انفجاره، بالقدر نفسه من الكتلة التي ابتلعها.

وبالتالي، فإننا ندرك أنّ القوى الكبيرة بشكل لا يصدق، العاملة خارج أفق الحدث، تسرّع معدل الخسارة بواسطة الإنتروبيا بالنسبة نفسها. ومن ثم، فإنّ الكتلة الناشئة من أفق الحدث في يوم جديد من خلق الكون سيكون بالتأكيد أقل كتلة من تلك التي غرقت فيه. هذا الجزء منه، الذي التهمته الإنتروبيا، يكون قد ضاع إلى الأبد. لذلك، في كل انفجار جديد للكون، ينشأ من ثقب أسود جديد، لابد أن يكون الكون، الذي تم إنشاؤه بهذه الطريقة، أصغر من السابق. من الواضح أن هذه الظاهرة لا يمكن أن تستمر في تكرار نفسها إلى ما لا نهاية، إذ سيتم تصغيره إلى حجم قد لا يتبقى له كتلةٌ كافية لينهار في ثقب أسود آخر.

* هل ستستمر هذه البقايا الصغيرة في الوجود إلى الأبد؟

 

بالتأكيد لا! إنّ كل ما تبقى من أي شيء سوف ينتهي أخيرًا بالإنتروبيا. سيحدث الأمر على هذا النحو، لأنه إذا لم يكن هناك خالق، فلن يمكن تصور أي بداية للكون. وإذا لم يكن من الممكن تصور بداية له، فيجب أن تكون موجودة إلى الأبد. لكن العوامل المذكورة أعلاه كانت ستقضي عليه تمامًا إلى الأبد قبل هذه اللحظة، وبالتالي فإنه يمكننا، بكل ثقة، أن نطمئن إلى أنّ العلماء قد أثبتوا بحزم أنه لا يمكن التخلص من الإنتروبيا، مهما كان الكون مشتتًا، ومهما كانت الفترة الطويلة التي قد يستغرقها الأمر بشكل لا يمكن تصوره، فإن الإنتروبيا ستلحق به في النهاية، لأنه أينما وجدت المادة فإنها ستظل خاضعة لتأثير الإنتروبيا. ومن ثم مهما كان وضع الكون، "مفتوحا" أو "مغلقا"، فلا يمكن أن يكون أبديًا!

 

(ملحوظة: هذا البحث محمول على كتاب (الوحي، العقلانية، المعرفة، الحق) لمؤلفه حضرة ميرزا طاهر أحمد رحمه الله)

 

 

  


زاوية المقالات والمدونة والردود الفردية هي منصة لعرض مقالات المساهمين. من خلالها يسعى الكاتب قدر استطاعته للتوافق مع فكر الجماعة الإسلامية الأحمدية والتعبير عنها بناء على ما يُوفّق به من البحث والتمحيص، كما تسعى إدارة الموقع للتأكد من ذلك؛ إلا أن أي خطأ قد يصدر من الكاتب فهو على مسؤولية الكاتب الشخصية ولا تتحمل الجماعة الإسلامية الأحمدية أو إدارة الموقع أي مسؤولية تجاهه.
 

خطب الجمعة الأخيرة