loader
 

السؤال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أرجو من حضراتكم التكرم بالإجابه على سؤالي هذا(ما تفسير الآيه الكريمه قوله تعالى أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله وأبرئ الأكمه والأبرص وأحي الموتى بإذن الله ...) ولكم جزيل الشكر وجزاكم الله عنا كل خير

{وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ } (آل عمران 50)
هذا ما جاء في التفسير الوسيط في تفسيرها، علما أن هذا التفسير في طور الترجمة من الإنجليزية
339 شرح الكلمات:
أَخْلُقُ: أشَكِّل، مشتقة من خلق. يقال خلقه، أي: (1) قاسه أو حدّد مقياسه أو نسب أبعاده؛ فمثلا يقولون: خلق الأديم، أي حدد الجلد بنظره ليقطعه. (2) صمّمه أو شكّله أو خطّطه. (3) صنعه طبقا لمقياس أو تصميم معين. (4) أوجده الله تعالى أو أنشأه من غير مثيل سابق. (5) اخترع قصة أو أكذوبة وغير ذلك. (6) سوّاه ومهّده وهيّأه. (موسوعة لين ولسان العرب).
الطِّين: مشتقة من طان، أي أحسن الفعل أو العمل؛ أجاد تنفيذ فعله أو عمله. طانه الله على الخير: خلقه الله ذا ميل للخير، أي ذا استعداد فطري للخير. طانه: علّقه أو ختمه بالطين أو الطمي. طين: طمي صلصال أو تراب، تربة. طينة: خلقه أو جبله، المادة التي يتكون منها الشيء؛ التركيب أو الاستعداد الطبيعي للشيء. يقولون ابن الطين للدلالة على آدم (موسوعة لين). وفي المجاز تدل لفظة "طين" على الأشخاص الذين يتّصفون بطبيعة سهلة التعليم والانقياد، بحيث يسهل تشكيلها في أي شكل حسن كما هو الحال في الصلصال اللين.
الطَّيْر: جمع طائر، وقد يستخدم للمفرد أيضا. مشتق من طار، وتعني: (1) اندفع أو حلّق في الهواء بجناحيه؛ (2) أسرع في العدْو أو الهرب؛ (3) طار عقله: ضاع. طارت الإبل: حملت. طار لكل منهم سهمه: جاء إليه نصيبه. الطير أو طير كلاهما جمع طائر من طار. فالطير هي: (1) الكائنات التي تطير كالطيور والحشرات وغيرها. (2) واحد من الطيور أو الحشرات، لأن الكلمة تدل أيضا على المفرد. (3) وتحمل اللفظة في صورة المصدر دلالات الفعل.
هَيْئَة: كيفية، مصدر هاء. يقال هاء الرجل: حَسُنَ مظهره وشكله أو صفات أخرى يعبر عنها بالهيئة. هاء إليه: رغبه واشتاق لرؤيته أو لقائه. هيأه: كساه وألبسه؛ أعده ورتبه في حالة طيبة. تهيأ للأمر: استعد له. هيئة: شكل، مظهر؛ صورة؛ رداء أو كسوة؛ حالة؛ كيفية، صفة (أقرب الموارد وموسوعة لين).
أُبْرِئُ: أُشفي، مشتقة من برئ أي خلص من الشيء. بريء من المرض: تخلص منه أي شفى. بريء من الدين: خلص منه. أبرأه : شفاه من مرض؛ أعلن خلوه مما اتهم به؛ أخرج عنه. (أقرب الموارد وموسوعة لين).
الأَكْمَه: الأعمى، مشتقة من كمه أي عَمى، لا ترى عينه في الليل. كمه فلان: حُرم من العقل أو الفهم. كمه النهار: أظلم، أي احتجبت الشمس بالسحب. أكمه: من لا يرى ليلا؛ من أصابه العمى؛ المحروم من الفهم والعقل (أقرب الموارد ومفردات الراغب).
الأَبْرَص: المصاب بمرض البرص. مشتقة من برص أي أصيب بمرض البرص، وهو بياض يصيب الجلد بسبب فساد في الصحة أو التكوين. ويطلق على القمر لقب الأبرص بسبب بياض لونه. أرض برصاء: هي التي ذهب بعض عشبها في أماكن متفرقة فتبدو جرداء في تلك المواضع (أقرب الموارد وموسوعة لين). ويتميز البرص الذي كان بين بني إسرائيل ببقع ملساء لامعة، منخفضة على سطح الجلد، أو قشور بيضاء بها شعر أبيض، وتنعدم حساسية الجلد والأنسجة المجاورة لها. وهو يشبه مرض البرص المعروف في الوقت الحاضر (قاموس ويبستر).
تَأْكُلُونَ: ما سوف تطعمونه. مشتقة من أكَل، أي: طعم، التَهم، غزا، استهلك، أبلى. أخضع. ويُروَى عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال: "أقرب بقرية تأكل القُرَى"، يعني أنه أمر بالهجرة إلى بلدة (هي المدينة) سوف تخضع وتهزم غيرها من البلدان (موسوعة لين).
التفســير:
تبدأ هذه الآية في سرد رسالة عيسى عليه السلامكنبيّ من أنبياء الله تعالى, فبقوله (وَرَسُولاً إِلى بَني إِسْرَائِيلَ) تكشف الآية الكريمة عن أن بعثة المسيح محصورة في بني إسرائيل، فهو لم يكن رسولا عالميا. والواقع أن الأناجيل نفسها تصرّح بأنه أمر تلاميذه بألا يبلغوا دعوته إلا إلى بني إسرائيل وحدهم. يقول متى في إنجيله: "هؤلاء الإثنى عشر أرسلهم يسوع وأوصاهم قائلا: إلى طريق أمم لا تمضوا وإلى مدينة للسامريّين لا تدخلوا. بل اذهبوا بالحريّ إلى خراف بني إسرائيل الضالة" (متّى 10: 5و6). ولا يجوز الاحتجاج بأن هذا المنع كان مقصورا على فترة حياة عيسى عليه السلام، ثم بعد وفاته أصبح التلاميذ أحرارا في الدعوة بين جميع أمم العالم، لأن الإنجيل نفسه ينكر هذه الدعوى. يقول في إنجيله 23:10 "ومتى طردوكم في هذه المدينة فاهربوا إلى الأخرى. فإني الحق أقول لكم لا تكملون مدن إسرائيل حتى يأتي ابن الإنسان".
ففي هذه الفقرة من الإنجيل، نجد المسيح يأمر تلاميذه بحصر دعوتهم بين بني إسرائيل حتى وقت مجيئه الثاني. ونجد مثل هذا الأمر في إنجيل متّى 15: 24؛ 18: 11و12؛ 19: 28؛ وأعمال الرسل 3: 25و26؛ 13: 46؛ لوقا: 19: 10؛ 15: 4؛ 22: 29إلى30).
وفي انجيل متّى 28: 19 نجد بعض الغموض عن بعثة عيسى، ولكن النظرة الغامضة تكشف بوضوح أن قبائل بني إسرائيل الضالة هي المقصودة، وليس كل الأقوام والشعوب. ولقد فهم التلامذة الأوّلون تلك الكلمات بهذا المعنى أيضا: "أما الذين تشتتوا من جراء الضيق الذي حصل بسبب استنافوس فاجتازوا إلى فينقية وقبرس وانطاكية وهم لا يكلمون أحدا بالكلمة إلا اليهود فقط".
ولكي تُفهم بقية الآية الكريمة فهما واضحا، يتعين علينا أن نتذكر أن عيسى عليه السلام كان من عادته التحدث بالأمثال. وقد تنبأت الأسفار السابقة بأن هذه الطريقة الرمزية تعتبر سمة تميز حديثه. يقول (إنجيل متى 34:13و35): "هذا كله كلّم به يسوع الجموع بأمثال. وبدون مَثَل لم يكن يكلمهم. لكي يتم ما قيل بالنبي القائل سأفتح بأمثال فمي". ولقد أشار المؤرخون المتأخرون إلى هذه الخاصّية التي تميز بها المسيح عليه السلام. تقول موسوعة الكتاب المقدس تحت لفظة يسوع ما يلي: "وفي مألوف حديثه استعمل يسوع أسلوب المثل بحرية. كان يتحدث بالمثل إلى كل الطبقات ومع العامة بصفة خاصة. ومن دون الأمثال ما كان يتحدث إليهم". وعلى ضوء هذه الحقيقة التاريخية لا تبقى أمامنا أية صعوبة في فهم أو بيان تلك الآيات التي تشير إليها الآية القرآنية الكريمة.
ولم يرد في الكتاب المقدس ذكر لمعجزة خلق الطير هذه التي اشتهر بين الناس أنه قام بها. ولو كان عيسى حقا قد خلق طيرا، فليس هناك ما يبرر حذفها من الكتاب المقدس، وعلى الأخص أن معجزة مثلها لم يقم بها أي نبي سابق. ويكون ذكرها دليلا على أفضليته على كل الأنبياء بالتأكيد، وسندا في ادّعائهم بلاهوته الذي خلعه عليه أتباعه المتأخرون. إن من بين معاني لفظة "خلق" القياس، والتحديد، والتصميم، والتشكيل، والصنع، والإيجاد، كما جاء في شرح الكلمات. وقد استُعملت الكلمة في الآية بالمعنى الأول لها. فإن فعل الخلق بمعنى الإيجاد، لم ينسب في القرآن المجيد إلى أي كائن آخر سوى الله . والواقع أن القرآن المجيد قد أكد بشدة على أن صفة الخلق إنما هي صفة تفرّد بها الله ، وأعلن مرارا وتكرارا بأنه  هو وحده الخالق لكل شيء، وكل من نُسِبَ إليه الخلق ليس إلا مخلوقا لله، محروما من القدرة على خلق أي شيء. فمثلا، يقول تعالى: (قُل اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ) (الرعد:17)، (وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ * أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَآءٌ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ) (النحل:21و22)، (إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ) (الحج:74)، (وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لأَنفُسِهِمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلا حَيَاةً وَلا نُشُورًا) (الفرقان:4)، (هَذَا خَلْقُ اللهِ فَأَرُوني مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ) (لقمان:11)، (قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَآءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ أَرُوني مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأَرْضِ) (فاطر:41)، (قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَّا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ أَرُوني مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ في السَّمَاوَاتِ) (الأحقاف:5). أما تلك الفكرة السخيفة التي بمقتضاها يقال إن صفة الخلق التي تفرد بها الله وحده يمكن أن يُفوّضها سبحانه إلى غيره مؤقتا، فإن القرآن المجيد يرفضها بالمرة، إذ يقول تعالى (وَاللهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنكُمْ مَّنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ * وَاللهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ في الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيمَانهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَآءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللهِ يَجْحَدُونَ) (النحل:71و72)، (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَّا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ) (الزمر:39).
وعلى هدى ما سبق من بيان، وإذا تنبهنا إلى المعنى المجازي لكلمة (الطين) فإن قوله تعالى (وَأَخْلُقُ لَكُمْ مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَصِيرُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللهِ) يعني أنه إذا اتصل بالمسيح شخص عادي وضيع النشأة، ولكنه يمتلك القدرة الفطرية على النمو والارتقاء، وقَبِلَ رسالته، فإن حياته تتحول تحولا كاملا، من رجل يتمرّغ في الوحل، ولا يرى ما وراء اهتماماته الدنيوية وحاجاته المادية، فإذا به يتشكل طيرا محلقا في أجواء السماوات الروحانية. وهذا هو عين ما حدث. إن جماعة الصيادين في منطقة الجليل الذين كانوا موطئ الاحتقار لوضاعتهم، استحالوا إلى طيور محلقة، بفضل الدّفعات الكريمة في تعاليم سيدهم، وأصبحوا هم أنفسهم معلمين ربانيين يرشدون بني إسرائيل، ويتحملون كل أنواع العذاب والأذى، ويقدمون التضحيات التي يزدان بها تاريخ أية أمة. يقول المسيح عليه السلام: "لذلك أقول لكم: لا تهتموا لحياتكم بما تأكلون وبما تشربون. ولا لأجسادكم بما تلبسون. ألسيت الحياة أفضل من الطعام. والجسد أفضل من اللباس. انظروا إلى طيور السماء إنها لا تزرع ولا تحصد ولا تجمع مخازن، وأبوكم السماوي يقوتها. ألستم أنتم بالحريّ أفضل منها" (متّى 6: 25و26).
ويمكن أيضا فهم معجزة خلق الطير بشكل آخر. لقد كان القوم في عهد عيسى مغرمون بممارسة العلوم الغامضة الخفية كقوة التأثير في الناس وما أشبه. ومن المحتمل أن يكون الله تعالى قد أعطاه مثل هذه القدرة ليؤثر على الناس بما يجعلهم يصدّقون به ويؤمنون برسالته. وفي هذه الحالة تكون الآية أن عيسى صنع نماذج صغيرة من الطين على هيئة الطير، ثم أثر على الموجودين بالقدرة الخاصة التي وهبه الله تعالى إياها، بحيث بدت لهم تلك النماذج طيورا تحلق في الجو. ولكنها لم تتحول إلى طير حقيقي، فما أن يضيع التأثير حتى تبدو كتلا من الطين مرة أخرى. وهذه المعجزة العيسوية تشبه معجزة العصا الموسوية، حيث بدت عصا موسى للحاضرين كأنها ثعبان حقيقي، ولكنها لم تكن كذلك في حقيقة الأمر. ومهما كانت دلالة الآية، فإن عيسى عليه السلام قد قام بها (بِإِذْنِ اللهِ) ولا يملك عيسى مقدرة على الخلق لمزيد من الايضاح (راجع كتاب إزالة الأوهام لسيدنا أحمد المسيح الموعود عليه السلام).
وبالنسبة إلى ابراء الأكمه والأبرص، فإنه يبدو من الكتاب المقدس أن من تصيبه بعض الأمراض كالبرص وغيره، كانوا يعتبرونه نجسا لا يُسمح له بمخالطة غيره من الناس. فإذا أخذنا كلمة (أُبْرِئُ) بمعنى "أعلن براءته وأطلق سراحه"، تكون دلالة العبارة إذن أن عيسى عليه السلام أزال ما كان يعانيه هؤلاء المرضى من ظلم التقاليد وإجحاف المجتمع. وإذا أخذت اللفظة بمعنى أشفى فتكون دلالة الآية أن عيسى كان يشفي هؤلاء المرضى. وكما أشير من قبل بأن عيسى كان يتكلم بالمجاز والأمثال، فكما أن الخلق كان خلقا روحانيا، فإن المرض الذي كان يشفي منه مرض روحاني كذلك. إن رسل الله تعالى أطباء روحانيون. انهم يمنحون البصر لمن فقدوا بصيرتهم، والسمع لمن صمّت أرواحهم، ويبعثون إلى الحياة من ماتت قلوبهم وضمائرهم. يقول (إنجيل متى 13: 16): "ولكن طوبى لعيونكم لأنها تبصر ولآذانكم لأنها تسمع". فالأكمه هو الأعمى أو الذي لا يرى في الليل، وهذه الصفة ترمز إلى الشخص الذي يمتلك نور الإيمان ولكنه ضعيف لا يستطيع الصمود أمام الإبتلاء؛ إنه يرى في النهار ما دامت شمس الإيمان مضيئة ولا يحجبها غمام التجارب؛ أما عندما يظلم الليل، وتنسدل عليه ستائر الامتحان، ويحتاج الأمر إلى التضحية والفداء، فإنه يفقد الرؤية الروحانية ويقف في مكانه لا يتحرك (قارن هذا بالآية 21 من سورة البقرة). وبالمثل فإن كلمة (الأَبْرَص) تعني روحيا الشخص الناقص الإيمان، الذي يشوب جلده السليم بقع من الجلد المريض. وحتى إذا أخذنا الكلمة بمعناها المادي، فإن هذا لا يضفي على عيسى عليه السلام مقدرة شاذة؛ فإن جميع الأنبياء لهم المقدرة على شفاء مختلف الأمراض والآلام بواسطة الدعاء. ويكون الأكمه في هذا المفهوم هو المريض بعدم الرؤية ليلا أو المصاب بضعف في النظر.
ولا يعني قوله (وَأُحْيِي الْمَوْتَى) أنه قد قام فعلا بإعادة الحياة إلى من توفاه الله. إن الذين يموتون موتا حقيقيا لا يمكن مطلقا أن يعودوا إلى الحياة في هذه الدنيا. إن مثل هذا الاعتقاد يتعارض تعارضا تاما وتعاليم القرآن المجيد، إذ يقول تعالى (حَتَّى إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلآ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَآئِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) (المؤمنون:100و101)، (وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنهُمْ لا يَرْجِعُونَ) (الأنبياء:96)، (أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لي كَرَّةً فَأَكُون مِنَ الْمُحْسِنِينَ * بَلَى قَدْ جَآءَتْكَ آيَاتي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ) (الزمر:59و60). وانظر أيضا قوله تعالى في (البقرة:29، غافر:12، الجاثية:27). وأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم أيضا واضحة بيّنة في هذه المسألة، فقد رُوِي مثلا أن أبا جابر الصحابي الجليل قُتل في معركة أحُد فحزن جابر حزنا شديدا، وقد كان صبيا عندئذ، فعزّاه الرسول صلى الله عليه وسلم وقال له ما معناه: إن الله تعالى أحب أباه وسأله أن يلتمس من الله ما يشاء ليتفضل عليه. فأجاب أبو جابر: يا رب: أعدني إلى الحياة على الأرض لأقتل مرة ثانية في سبيلك. فأجاب الله: لقد كنت حقا أفعل ذلك لكن سبق القول مني أن الموتى لا يرجعون إلى الدنيا (رواه الترمذي وابن ماجة).
إن الذين اعتُبروا موتى وأقامهم عيسى لم يكونوا حقيقة أمواتا، ويتجلى هذا أيضا في الإناجيل. وتلقى الحادثة الواردة في انجيل (متى 23:9إلى25) بعض الضوء على هذا الموضوع: "ولما جاء يسوع إلى بيت الرئيس ونظر المزّمرين والجمع يضجون. قال لهم تنحوا. فإن الصبية لم تمت لكنها نائمة. فضحكوا عليه. فلما أخرج الجمع دخل وأمسك بيدها فقامت الصبية". والواقع أن رسل الله تعالى ما بُعثوا إلا لإحياء الموتى من الناحية الروحية، أي موتى القلوب والضمائر والأخلاق. إن إبراهيم وموسى وعيسى، وغيرهم، وفوق الجميع محمد نبي الإسلام صلى الله عليه وسلم أحدثوا تحوّلا كاملا في حياة أتباعهم. وهذا الفعل في لغة الدين هو إحياء الموتى. أما بالمفهوم الحرفي للعبارة، فإن كلمة (الْمَوْتَى) لا تعني بالضرورة من مات فعلا موتا طبيعيا، فإنها تعني أيضا الذين ماتوا روحانيا أو أخلاقيا أو حضاريا أو أدبيا. والقرآن الكريم يعبر صراحة عن منح الحياة إلى موتى الروح بإحياء الموتى (أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يمْشِي بِهِ في النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ في الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (الأنعام:123)، (لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَن حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ) (الأنفال:43)، (لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا) (الفرقان:50)، (لِيُنذِرَ مَن كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ) (يس:71). وفي الآية 25 من سورة الأنفال، تحدث القرآن عن الرسول صلى الله عليه وسلم بأنه يعطي الموتى الحياة فقال (يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اسْتَجِيبُوا للهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ). والمقصود بالحياة هنا هو الحياة الروحية والفكرية، إذ أن المسلمين لا يعتقدون بأن النبيّ صلى الله عليه وسلم قد أعطى الحياة الجسدية لشخص مات جسمه.
ولقد سردت الآية الكريمة معجزات عيسى عليه السلام بترتيبها الطبيعي. فأول الأمر ذكرت التغيير في مظهر وطريقة الحياة لدى الذين اتصلوا به ولزموه. لقد تحوّلوا من أهل دنيا إلى رجال ربّانيين؛ وارتفعوا وسموا من التراب إلى أجواز الفضاء. ثم ذكرت الآية بعض العلل والأمراض الروحانية الشائعة التي شفاهم منها المسيح عليه السلام، إذ حصل العميان على البصيرة الروحية، وشُفِي ذوو الآفات الجلدية من دائهم. وأخيرا أعلنت الآية أن الموتى اكتسبوا حياة روحية جديدة على يد عيسى عليه السلام. وهذا الذي سردته الآية ليس ترتيبا طبيعيا فحسب وإنما هو نوع من التدرج في الترقي؛ بلغ ذروته بالنسبة لإصلاح الفرد عندما تمت معجزة بعث الموتى إلى حياة روحية جديدة. ولكن إذا أُخِذت الآية بمدلولها الحرفي، فلن يبدو منها أي ترتيب في حدوث تلك المعجزات. فأين الترتيب في أحداث كخلق الطير من الطين، وشفاء الأعمى والأبرص، وإحياء الموتى؟
والذروة الحقيقية في آيات المسيح أو معجزاته تأتي في قوله (وَأُنَبِّئُكُمْ بمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ في بُيُوتِكُمْ). يقول أبو البقاء أن لفظتي "نبّأ" و "أنبأ" استُعملتا في القرآن الكريم لإعلان الأمور المتصفة بالأهمية البالغة (أي الكليات). ويتضح من هذا أن عيسى عليه السلام قد أعلن لأتباعه أمورا ذات أهمية عظمى. والعبارة المستعملة من أسلوب التشبيه، فكلمة (تَأْكُلُونَ) أي تخضعون وتغزون. فالعبارة (وَأُنَبِّئُكُمْ بمَا تَأْكُلُونَ) تعني أخبركم بما سوف تخضعون وتغزون. أي أخبركم بالفتوحات المقدّر لكم أن تقوموا بها في المستقبل. وقوله (وَمَا تَدَّخِرُونَ في بُيُوتِكُمْ) تعني وسوف أطلعكم على الأعمال التي يجدر بكم أن تخلفوها لذريتكم من بعدكم.
والعبارة بأكملها لها دلالة أخرى. فيمكن أن يكون عيسى عليه السلام قد أخبر تلامذته بما يجب عليهم تناوله من طعام؛ أي ما يلزمهم إنفاقه لحاجاتهم الجسدية. وما يجب عليهم ادخاره؛ أي ما يجب ادخاره لأنفسهم من كنوز سماوية. وبعبارة أخرى، أخبرهم عيسى عليه السلام أن عليهم الاكتساب من طريق شرعي شريف، وأن عليهم إنفاق مدّخراتهم في سبيل الله تعالى وألا يكنِزوا للغد، وإنما يتركون ذلك مُفوّضا لله تعالى (راجع إنجيل متى 25:6و26 الواردة آنفا).
نقله



 

خطب الجمعة الأخيرة