loader
 

السؤال: تفسير سورة الفلق

فيما يلي ملخص لما ورد في تفسير سورة الفلق من التفسير الكبير، والذي ننصح بقراءته لفهم هذه السورة جيدا:
قل أعوذ برب الفلق.. أي أعلِن أنك تعتصم بالله رب الصبح الذي يخلق الضوء بعد الظلام، ويأتي بالهدى بعد الضلال، وينصر الحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق.
وحيث إن الرب هو مَن يطوِّر الإنسان تدريجيا حتى الكمال، فالمعنى من (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ) أن يدعو الإنسان ربه قائلا: يا ربي الذي يأتي بالضوء بعد الظلام، أَخْرِجْني من الظلمة إلى النور.
مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ.. يتضمن أن المسلمين سينالون كلَّ ما خلق الله من نعمة في الدنيا، ويكون رقيهم واسعًا متنوعًا، ولذلك أمَر الله تعالى رسولَه صلى الله عليه وسلم أن يبدأ في الدعاء لهم من الآن لكي يحميهم الله تعالى مما تكتنفه هذه النجاحات والترقيات والنعم مِن شرور وبلايا.
فقوله تعالى (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ) تنبيهٌ للإنسان إلى ضرورة الاستعانة بالله تعالى وطلب حفظه، حيث علّمَنا أنكم إذا أردتم النجاة مما في المخلوقات من شرّ، فإن الله وحده سوف يحميكم منه، لأنه رب هذه المخلوقات كلها، وهو الأعلم كيف يَنتج الخير من كل شر؛ إذ لا يتحرك أي مخلوق من دون إذنه.
وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ... يعني أعتصم بالله من شرّ الليلِ إذا دخل واشتدّت ظلمته، .. أي نعوذ بالله من أن نُصاب بالمساوئ التي تُصاب بها الأمم الغالبة الحاكمة عادةً، من انغماس في الملذات وطمع واقتتال على الدنيا وتفاخر وتكاثر في الأموال والأولاد، ومن كل ما ينتج عن فترة انحطاط الإسلام.

باختصار، لقد أشار الله تعالى بقوله لرسوله (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ) أنه من المقدّر أن ينتشر هَدْيُه في العالم كله وأن يضيء العالم كله كالشمس في كبد السماء، ثم أمره الله بقوله تعالى (وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ) أن يدعوه تعالى ألا يختفي وجهه المضيء عن الأنظار في وقت من الأوقات، كي لا يُحرَم الناس من نوره، فيخيم الظلام على العالم، كما أمر الله تعالى كلّ فرد من أمته صلى الله عليه وسلم أن يدعو الله تعالى ألا يُصابوا بالانحطاط بعد كل ما يعطيهم الله على يده صلى الله عليه وسلم من الرقي الروحاني والماديّ، ولا يتخذوا القرآن مهجورا، فيُحرموا نور محمد وضوء القرآن، فيخيم عليهم الظلام، وألا يكون هناك ما يدفعهم إلى هوة الدمار بعد الرقيّ الماديّ، أما إذا حصل ذلك بسبب أخطائهم فيأخذ الله بأيديهم ثانيةً ويهيئ الأسباب لكي يروا وجه نبيهم المضيء ثانيةً، وتتبدل أيام الانحطاط بأيام الرقي.

أما قوله تعالى (وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ) فيعني أستعيذ من شر النفوس التي تفسد صداقات الناس ومعاهداتهم. فالنفث في العقد هو محاولة قطع العلاقات، ذلك أنه كان من عادة العرب فَتْحُ العُقَد والنفثُ فيها عند قطع العلاقة مع الآخر (البحر المحيط)، كما يفعل السحرة اليوم للتفريق بين الناس، يقال: فلان ينفث في العقد، أي يحاول قطع علاقات المحبة بين الناس، وعليه: فقد أمر الله تعالى المسلمين بقوله تعالى (وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ) أن يدعوه أن يحفظهم من شرِّ قومٍ يحاولون نقض بيعتهم وتشتيت شملهم.
لقد تنبأ الله تعالى في الآيات السابقة عن انحطاط المسلمين، أما الآن فأشار إلى أحد أسباب انحطاطهم، حيث أخبر عز وجل أنه بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ستقوم الخلافة في الأمة لجمْعهم على يد واحدة، فيتمتعون ببركاتها الكثيرة، ولكن سيفتر ولاءهم للخلافة وتنتهي بعد فترة، فيتشتتْ شملهم وتنقطع الصلات بين الراعي والرعية، إذ تهبّ مِن كل قطر من الأقطار التي فتحها المسلمون فئةٌ تعادي الإسلام وتعمل بمنتهى المكر والخداع ضد أهله، فتنشر بينهم أفكارا تبثّ في قلوب ضعفائهم مشاعرَ التمرد والعداء، فيقطعون صلة ولائهم عن خلفائهم، حتى يخرجون على خلفائهم ويحاربونهم، وتحدث الفوضى بين المسلمين وينتهي ولاؤهم للخلفاء، ويتشتت شملهم، وتنقلب أيامهم إلى ليالٍ حالكة، ويتوقف رقيهم وازدهارهم، ويتحاربون فيما بينهم ويسعّرون بأيديهم جحيما لهم، وتغيب من بينهم الروحانية والطهارة، إذ يقطعون صلتهم عن الجذور التي تجلب لهم هذه البركات، ولذلك قد علّمهم الله تعالى أن يدعوه أن يدخلهم في كنفه وينقذهم من شر تلك الأيام.
ومن معاني النفث الكتابةُ، وعليه فالنفاثات هي النفوس أو الفئات التي تكتب كثيرا، وعليه فقوله تعالى (وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ) إشارة إلى نشر المنشورات المعادية لله ورسوله في الزمن الأخير على نطاق واسع، مما يثير فتنةً عظيمة وشرًّا مستطيرًا في العالم، وقد علَّم الله المسلمين أن يدعوه تعالى بأن يُعيذهم بملاذه من تلك الفتة الصماء، ويحميهم من شر ذلك الزمن الذي تُنشر فيه الكتب بكثرة ضد الله ورسوله.
كما فيه إشارة ضمنية إلى إعداد المنشورات لإفساد العلاقات بين الحكام والرعايا في الزمن الأخير.
(وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ)، أي أنّ مَن بلغ مقام التوكل واليقين بالله حسده الناس برؤية تقدّمه وطعنوا فيه، ولذلك يأمره الله أن يعلن أنه لا يبالي بمكائد الحاسدين، بل يتوجّه إلى ربه ويعوذ بملاذه؛ لأنه رحيم كريم، ولا يضيع المتوكلون عليه.
ثم إن الله تعالى قد علَّمَنا باستعمال كلمة (رَبِّ الْفَلَقِ) في بداية السورة دعاءً لإحراز الكمال، ثم أمر أن ندعوه ألا نرى الزوال بعد الكمال، أما قوله تعالى (وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ * وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ) فعلّمنا به أن الإنسان لا يخلو من حالين: حال الرقي أو حال الانحطاط، ومن الملاحظ أن المرء إذا ضعُف أو تعرض للانحطاط قام كثيرون لإسقاطه أكثر، أما إذا ارتقى قام كثيرون يحسدونه، وليس هناك حالة ينجو فيها الإنسان من شر الناس، فهو عرضة للخطر سواء في ضعفه أو في رقيه. فهو في حالة ضعفه مهدَّدٌ مِن قِبل قوم يجدون المتعة في إسقاط الساقط وإهلاك الهالك أكثر، وهو في حالة ازدهاره مهدد من قِبل الحاسدين الذين يريدون أن يضرّوه. فهو ليس في مأمن في أي حال، وبالتالي ليس في غنى عن نصرة الله بحال من الأحوال. (تفسير سورة الفلق باختصار)
وفي الأخير قال حضرة المفسر الخليفة الثاني رضي الله عنه:
إنّ مفاهيم هذه السورة التي بيّنّاها بإيجاز تدلّ على أنها ذات أهمية قصوى من حيث مواضيعها، وأن الله تعالى قد علَّم فيها المسلمين -أمةً وأفرادًا- دعاءً كاملا، محذرًا إياهم من أسباب هلاك الأمم والأفراد، وبين أن الإنسان لا يكون في مأمن من الآفات والبلايا إلا إذا دخل في كنف الله، فالطريق السليم للأمن والسلام أن لا يبرح المرء عاكفًا على عتبة الله ويسأله الحماية دائما.
إنّ مفاهيم هذه السورة التي بيّنّاها بإيجاز تدلّ على أنها ذات أهمية قصوى من حيث مواضيعها، وأن الله تعالى قد علَّم فيها المسلمين -أمةً وأفرادًا- دعاءً كاملا، محذرًا إياهم من أسباب هلاك الأمم والأفراد، وبين أن الإنسان لا يكون في مأمن من الآفات والبلايا إلا إذا دخل في كنف الله، فالطريق السليم للأمن والسلام أن لا يبرح المرء عاكفًا على عتبة الله ويسأله الحماية دائما.
لخّصها بتصرّف



 

خطب الجمعة الأخيرة