loader
 

السؤال: السلام عليكم ما نوع المائدة التي التي طلب الحواريون المسيح انزالها ؟ اريد توضيح اكثر

فيما يلي ما جاء في التفسير الوسيط من تفسير هذه الآيات بشيء من التصرف:
{إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ)
يتبين من قوله تعالى (يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ السَّمَآءِ) أن الحواريين لم يسألوا عيسى وجبة واحدة من الطعام، وإنما طلبوا مددًا دائما من المؤونة يأتيهم من دون مشقة أو مصاعب. و(مِّنَ السَّمَآءِ) تنطوي على اتصاف الشيء المنَزّل باليسر والدوام والضمان.

قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ (114)
ذكر الحواريون في الآية أربعة أمور تتحقق عند استجابة مطلبهم:
(1) أن يأكلوا من المائدة ويُشبعوا جوعهم.
(2) أن تطمئن قلوبهم، وهذا أيضا يبين أنهم رغبوا في مدد دائم من المؤونة، لأن الوجبة الواحدة لا يمكن أن تطمئن قلوبهم، وتزيل قلقهم بشأن حياتهم المستقبلة حتى يتمكنوا من تبليغ رسالة الله تعالى وقد تخفّفوا من كل همّ، ويكرّسوا كل جهدهم في خدمة دينهم.
(3) أن تتحقق نبوءة المسيح  الواردة في الآية 50 من سورة آل عمران. وهي {وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ (أي أخبركم بالفتوحات المقدّر لكم أن تقوموا بها في المستقبل، لأنّ من معاني الأكل هو الإخضاع الذي يتضمن الفتوحات في هذا السياق). وقوله وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ (من أعمال يجدر بكم أن تخلفوها لذريتكم). فقد أرادوا أن يروا هذه النعم الربانية تتيسر لهم بسهولة ليروا تحقق نبوءة المسيح عليه السلام بأم أعينهم.
(4) أن يكونوا شهداء على استجابة دعائه وصدق دينهم، وليعلم الناس أن الله تعالى يؤازر ويفضل الذين أخلصوا في خدمة دينه.
ويكشف تاريخ الكنيسة المسيحية في فجر نشأتها أن الله تعالى قد كفل لهم بالفعل زادا غير عادي لإعالة الذين تفرّغوا مخلصين لنشر رسالة المسيح . بل اليوم، وقد انحرف المسيحيون بعيدا عن الحق، لا يزالون يستمتعون بمائدة حافلة بطعام شهي.

قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيرُ الرَّازِقِينَ (115)
يتضح من الآية الكريمة أن المسيح  وافق على رغبة حوارييه، ولذلك عندما توجه إلى الله تعالى بالدعاء أدخل نفسه بينهم.
ويتضمن قوله تعالى (تَكُونُ لَنَا عِيدًا لأَوَّلِنَا وَءَاخِرِنَا) نبوءة عظيمة، تشير إلى فترتين من الازدهار والتقدم للأمة المسيحية كما يُفهم من لفظة "عيد" التي تعني "اليوم الذي يعود". وقد كانت الفترة الأولى بعد المسيح  مباشرة، وقُدِّر للثانية أن تكون في آخر الزمان، والفاصل بينهما يتسم بالانحلال والانحطاط. وهذا بالضبط ما يشير إليه بوضوح قوله تعالى (أَوَّلِنَا وَءَاخِرِنَا). ولقد منح الله تعالى الشعوب المسيحية كثيرا من الخيرات الدنيوية في العصور الأولى، قبل نهضة الإسلام. وكذلك الآن، بعد اضمحلال الإسلام، نالوا من الرخاء والعظمة المادية بقدر ليس له نظير في تاريخ أي دين آخر. ولكن بنُزول مثيل عيسى في شخص أحمد المسيح الموعود في الإسلام، قاربت شمس "آخر المسيحيين" على الأفول، وليس بوسعهم اليوم أن يخلّصوا أنفسهم إلا إذا أظهروا اهتمامهم بأمر الذي جاء بروح سيدهم وسلطانه.

قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ} (المائدة 113-116)

وتبين هذه الآية بوضوح أن "المائدة" لا تعني وجبة طعام تنْزل عليهم فعلا من السماء، لأن مثل هذه المعجزة لم تحدث قط، فمن المحال أن يكفر من يشهد هذه الظاهرة العجيبة، ويرى بعينه سماطا ممدودا حافلا بالأطعمة نازلا من السماء.
والعقاب المشار إليه هو نفسه الوارد في (مريم:91) (تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا).
ولقد كفر المسيحيون فعلا بعد ذلك، وظهرت بوادر العقاب الذي أُنذروا به، ولقد كانت الحرب العالمية الأخيرة وردود الفعل الناجمة عنها تمثل مرحلة من مراحل تحقق تلك النبوءة، والله تعالى يعلم ما حكم به على المسيحيين وما ينتظرهم من عذاب رهيب في قابل أيامهم مصداقا للنبوءة العظيمة.



 

خطب الجمعة الأخيرة