loader
 

مديرنا المحترم حضرة السيد مير محمود أحمد ناصر

بسم الله الرحمن الرحيم

مديرنا المحترم حضرة السيد مير محمود أحمد ناصر

بقلم: محمد طاهر نديم/ ترجمة: أبو أمل

لم يكن حضرة السيد مير محمود أحمد ناصر صفحة عابرة في تاريخ الجماعة الأحمدية، بل كان فصلا كاملا يستحق أن يُكتب بحروف من ذهب. لقد كان يجسّد في شخصيته سيرة الصحابة y، مفعما بالرحمة والشفقة، حاملا في قلبه للخلافة حبّا جمّا لا تحدّه حدود، بل كان عاشقا متيما بها حتى  من أعماق روحه. كان إداريا بارعا، واسع العلم على نحو استثنائي، ومع ذلك كان مثالا فريدا في التواضع. تعلّمنا منه الكثير خلال سنوات دراستنا في الجامعة الأحمدية؛ إذ كانت شخصيته مدرسة متكاملة.

 

لقد كان كتابا عظيما تتلألأ الحكمة في كل صفحة من صفحاته، وكان خُلقه منارةً مضيئةً تهدي الجميع إلى الطريق. كان يجسّد الرحمة والحنان، وكان يربّي بفعله قبل قوله، ثم يكرر هذا الفعل مرارا حتى يرسخ الدرس في النفوس إلى الأبد.

 ومن أبرز ما تعلمناه منه أمران: حب الخلافة عشقًا، وصون نظام الجماعة وأموالها والحرص عليها. وفيما يلي أسرد بعض الوقائع التي شهدتُها بنفسي حول هذين الجانبين، لعلّي أرد ولو قليلا من جميل حضرته.

درس عشق الخلافة على لسان عاشق ولهان

كان كثير من طلبة الجامعة – ومنهم كاتب هذه السطور – يأتون من مناطق بعيدة عن ربوة، ولم تكن وسائل السفر آنذاك سريعة كما هي اليوم، كما أن الأوضاع المادية كانت صعبة؛ لذا لم نكن نزور ربوة إلا مرة واحدة في العام أي عند الجلسة السنوية. ولذلك ندرَت لنا فرص بناء علاقة شخصية قائمة على الحب والعشق مع خليفة الوقت.

لقد بذل حضرة السيد مير محمود أحمد جهدا كبيرا في غرس محبة الخلافة في قلوب طلاب الجامعة. ولتحقيق ذلك، ربّاهم بأساليب متعددة، فعلى سبيل المثال، كان له ارتباط شخصي بكل طالب تقريبا، إذ كان يعرف كل واحد منهم معرفة تامة، ويعلم عن أسرته وإيجابياته وسلبياته، ويخصّه بشفقة ومودّة متميزة، حتى إن معظم الطلاب كانوا يعدّونه أبا روحيا يشاركونه أفراحهم وأحزانهم. فإذا تلقى أحدهم مثلا صورة هدية من الخليفة أو رسالة مفعمة بالدعاء منه، أسرع إلى السيد مير ليشاركه فرحته. وكان السيد مير يعلّق مثل هذه الصور والرسائل على لوحة الإعلانات حتى يتذوق بقية الطلاب حلاوة هذا الارتباط وتتحرك قلوبهم للسير في نفس درب المحبة.

لقد كان قلبه ممتلئا عشقا للخلافة، حتى إنه كان يقتفي أثر محبوبه في أدق الأمور، وكان يريد من خلال سلوكه هذا أن ينقل درس الحب العميق للخلافة إلى الأجيال القادمة. ومن ذلك ما حدث في ديسمبر 1991م، حين سافر حضرة الخليفة الرابع – رحمه الله – إلى قاديان. نال العديد من أساتذة الجامعة وطلابها من باكستان شرف حضور الجلسة السنوية بقاديان واللقاء مع حضرته رحمه الله. وكانت هذه أول مرة ألتقي فيها بحضرته، وهي كانت حال عدد كبير غيري أيضا. وبسبب كثرة الأحمديين، جرت اللقاءات على شكل مجموعات كبيرة. وكانت مقابلتنا في ذلك الجزء من مسجد أقصى قاديان الذي شهد نزول الخطبة الإلهامية. قبل اللقاء، طُلب منا أن نقتصر على ذكر الاسم والمنطقة، وإن كنا من ذرية صحابي فنذكر اسمه فقط، ولا نقول شيئًا آخر ما لم يسأل حضرته بنفسه، وذلك توفيرا لوقت حضرته.

فبدأ طلاب الجامعة الأحمدية وأساتذتها يقومون أمام حضرته ويعرفون على أنفسهم  حتى وقف أحد أساتذة الجامعة قبلي فعرّف على نفسه وجلس. فلما تأهبت للوقوف، ظن أمير المؤمنين أنني أستاذ الجامعة كذلك، فسألني قبل أن أتكلم: "ماذا تُدرّس في الجامعة؟" فأجبت بتواضع: "يا أمير المؤمنين، أنا طالب في السنة  الأخيرة". وبعد ذلك بنحو ستة أو سبعة أشهر، عندما تخرجنا من الجامعة، تلقيتُ خلال الأيام القليلة التالية أمرا بتعييني أستاذا في الجامعة الأحمدية. ولما أتيت إلى الجامعة الأحمدية، رآني السيد مير محمود أحمد ناصر فابتسم، وقال: "لا بد أنك تتذكّر أنه في قاديان، أثناء اللقاء مع الخليفة الرابع، عندما سألك: ماذا تُدرّس في الجامعة؟ فقد قرّرتُ في تلك اللحظة أنني سأعينك أستاذا في الجامعة الأحمدية، وذلك حتى تتحقق الكلمات التي خرجت من لسان حضرته المبارك".

وقد أصابني الذهول عند سماع ذلك، وشعرتُ بسحر عجيب يغمرني، وأخذتُ أتفكر في مدى عشق السيد مير محمود أحمد، إذ كيف لعاشق مثله أن يقرّر قبل ستة أشهر تحقيق الكلمات التي خرجت من فم محبوبه، ثم لا يهدأ له بال حتى يراها متحققة. وبهذا التصرف، قدّم لنا درسا عظيما في عظمة الخلافة وفي محبته الفريدة لها.

محبة فريدة للنبي r

كان حبّه لرسول الله r عجيبا. يتجلى ذلك في دروس الحديث التي كان يلقيها غالبا في مسجد مبارك، إذ كان قلبه يتوق إلى الاقتداء بالنبي r في كل شأن مهما دقّ. ومن مظاهر ذلك أنه اختار بعض الطلاب، وكنتُ منهم، لتعلم اللغة الإسبانية. وذات مرة أصررنا عليه أن يستضيفنا على طعام، فقال: "ادعوا لي أن أبلغ من العمر ثلاثا وستين سنة، فإذا حصل ذلك فسأدعوكم جميعا في بيتي". كان عمره حينها دون الثالثة والستين، وبسبب مرضه كان يخشى أن يتوفاه الله قبل أن يبلغ سنّ النبي r. احتفظنا بوعده، فلما بلغ الثالثة والستين ذهبنا إليه جميعا، فأوفى بعهده وأكرمنا بضيافة فاخرة في منزله.

مثال في فن الخطابة

كان السيد مير محمود أحمد خطيبا مفوها، يملك ناصية البيان. قال لنا ذات يوم: "إن الخطابة تشبه قطع شجرة وإسقاطها، فإذا حاولتَ أن تمسكها وتهزّها وتشدّها لإسقاطها، فلن تسقطها بهذا الطريق. أما الطريقة الصحيحة فهي أن تبدأ أولا بضربها بالفأس من جميع الجهات، حتى إذا أحدثت فيها ضربات كافية وأدركت أنها قد ضعفت جدا، عندها يكفي أن تهزّها هزة قوية واحدة فتسقط على الأرض. وكذلك الحال في الخطابة، عليك أولًا أن تطرق موضوعك بالأدلة والحجج من كل جانب، حتى إذا شعرتَ أنك قد أحطتَ به تماما، حينها في الختام وجِّه ضربة قوية بأسلوب حماسي وكلمات مؤثرة، فتكون بذلك قد أتممتَ خطابا ناجحا". ونجد لمحةً من هذا الأسلوب الذي بيَّنه السيد مير محمود أحمد في الواقعة التالية:

الغيرة على أموال الجماعة

في أيامنا، كان طلاب الدرجة السادسة يُدرَّبون، إلى جانب أمور أخرى، على قيادة السيارة والطباعة على آلة كاتبة. إذ لم تكن الحواسيب قد دخلت في حياتنا كما هي اليوم، وكان هذا التدريب يُنظَّم في دوائر خارج الجامعة. بالنسبة لتعلم القيادة، فقد كان الجميع يشاركون فيه دون استثناء، أما الطباعة على آلة كاتبة، فكانت تتم بواسطة آلات الكتابة القديمة التي تتطلب ضغطا قويا بالأصابع وكان صعبًا نوعًا ما، مما دفع بعض الطلاب إلى عدم الاكتراث بها وإهمالها لاعتقادهم بصعوبتها.

وذات يوم، وصلت إلى حضرة السيد مير شكوى تفيد أن جميع طلاب الدرجة السادسة، أو معظمهم، تغيبوا عن درس التدريب لتعلم الكتابة على آلة كاتبة. وعندما عاد هؤلاء الطلاب إلى الجامعة، أخذهم حضرة السيد مير إلى قاعة الجامعة. في ذلك الوقت كنتُ طالبا في الدرجة الثالثة أو الرابعة، وكنت جالسا مع أحد زملائي في القاعة لإنجاز عمل ما. وعندما رأينا حضرة السيد مير غاضبا، هممنا بالخروج من القاعة، ولكنه أمرنا بأن نبقى جالسين في أماكننا.

ثم بدأ حديثه بنبرة هادئة للغاية قائلا: "إن نظام الجماعة قائمٌ على التبرعات التي تُنفق على إنجاز أعمالها المتنوعة، ومن هذه الأعمال الهامة عمل التبليغ والتربية الذي تساهم فيه الجامعة الأحمدية على أكمل وجه. وهذه التبرعات يقدّمها كل فرد من أفراد الجماعة، فمن بينهم من يكسب الملايين، ولكن فيهم أيضا من لا يجد في يومه ثلاث وجبات، ومنهم الفقراء الذين يقتطعون من قوت يومهم ليقدّموا التبرعات، وفيهم اليتامى الذين يوفّرون جزءا من مصروفهم ليُسهموا به، وفيهم الأرامل اللاتي يقتطعن جزءًا من المخصَّصات التي يتلقَّينها من الجماعة ليدفعن به تبرعاتهن، وغيرهم الكثير."

وظلَّت نبرة حضرة السيد مير هادئة وناصحة حتى هذه اللحظة، ثم فجأةً ارتفع صوته بحماس وانفعال وقال: "إن هؤلاء الفقراء واليتامى والأرامل سيُمسكون بتلابيبكم يوم القيامة، وسيحاسبونكم قائلين: أخبرونا لماذا أهدرتم تبرعاتنا بهذه الطريقة؟! ولماذا ضيّعتم بكل إهمال واستهتار الأموال التي اقتطعناها من قوت يومنا وادّخرناها بصعوبة؟!" لقد كان خطابه هذا، رغم قصره، مؤثرا للغاية، حتى إنه بعد أن أنهى كلماته خرج مسرعا من القاعة بخطوات سريعة، بينما كانت عيون جميع الطلاب الحاضرين في القاعة، بما فيهم نحن، تفيض بدموع الندم.

خدمة حتى آخر نفس

قبل عام ونصف، سافرتُ إلى باكستان وزرتُ السيد مير محمود أحمد في منزله، وجدته طريح الفراش يملي الترجمة الأردية للأحاديث الشريفة على أحد الإخوة. لقد اندهشنا كثيرا من حالته تلك، إذ لم يكن قادرا حتى على الجلوس، ومع ذلك واصل عمله دون توقف. فقال لي: كنتُ قد طلبتُ من أمير المؤمنين أيده الله بنصره العزيز الدعاء لي، فقال لي أمير المؤمنين: قل لي، ماذا تريدني أن أدعو لك؟ فقلتُ له: ادعُ الله تعالى أن يرزقني التوفيق لخدمة الجماعة حتى آخر نفس من حياتي. وإنه بركة دعاء حضرته، أن الله تعالى لا يزال يوفقني للخدمة حتى في هذه الحالة.

نسأل الله تعالى أن يكرم حضرة السيد مير محمود أحمد بالجنة ويتغمده فيها منزلةً بعد منزلة، وأن يدخله في أعلى عليين، وأن يرزق الجماعة والخلافة الكثيرين من المخلصين الفدائيين والعاشقين أمثاله. آمين. (الفضل، 16/6/2025)

 

  


زاوية المقالات والمدونة والردود الفردية هي منصة لعرض مقالات المساهمين. من خلالها يسعى الكاتب قدر استطاعته للتوافق مع فكر الجماعة الإسلامية الأحمدية والتعبير عنها بناء على ما يُوفّق به من البحث والتمحيص، كما تسعى إدارة الموقع للتأكد من ذلك؛ إلا أن أي خطأ قد يصدر من الكاتب فهو على مسؤولية الكاتب الشخصية ولا تتحمل الجماعة الإسلامية الأحمدية أو إدارة الموقع أي مسؤولية تجاهه.
 

خطب الجمعة الأخيرة