loader
 

السؤال: السلام اخى العزيز لى سؤال هام جدا لى وهو .قد رأيت ان لكم مواقف جليلة واطروحات واجتهادات نورانية في مجال الرد على ادعاءات المسيحين بألوهية السيد المسيح واكاد لا اشك ان ما تقولون يخرج من مشكاة المستبصريين بنور من الله ولكنى اسأل كيف تعتمدون وتستشهدون بالاحاديث التى يدعى اهل السنة انها نبوية .فنحن القرآنين لا نعتد بهذا الباطل ولا نعده مصدرا لتشريع ديننا .فما موقفكم من الاحاديث عموما .

يقول المسيح الموعود عليه السلام في كتابه (سفينة نوح) ما يلي:
أما الذريعة الثانية لهداية المسلمين فهي السُّنَّة؛ أي أعمال النبي صلى الله عليه وسلم التي قام بها تفسيرًا لأحكام القرآن المجيد. فمثلاً لا يُعرف من القرآن المجيد بظاهر النظر عددُ ركعات الصلوات الخمس، فكَم منها في الصباح وكَم منها في مواقيت أخرى، ولكن السنّة فصَّلتْ كل ذلك تفصيلا.
الفرق بين السنة والحديث
ولا يظنّنّ أحد أن السنّة والحديث شيء واحد، لأن الحديث لم يدوَّن إلا بعد مائة أو مائة وخمسين سنةً، أما السنّة فكانت مزامنة للقرآن المجيد منذ نزوله. وإنّ للسنّة أكبرَ منّةٍ على المسلمين بعد القرآن. كان واجب الله ورسوله منحصرًا في أمرين فقط، فكان على الله أن يُنـزِل القرآن فيُطْلِع الخلقَ على مشيئته بكلامه؛ وكان هذا من مقتضى ناموس الله تعالى، أما رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان من واجبه أن يُرِي الناس كلام الله تعالى ويشرحه لهم جيدًا بصورة عَمَليّة. فأرى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم الناسَ تلك الأقوالَ في حيِّز الأعمال وحلَّ معضلاتِ الأمور والمسائل بسنّته أي بأفعاله وأعماله. ولا مَساغ للقول بأن تقديم ذاك الحل كان مقصورًا على الحديث، ذلك أن الإسلام كان قد استقرّ في الأرض قبل وجود الحديث. ألم يكن الناس يصلّون ويؤتون الزكاة ويحجّون البيت ويعرفون الحلال والحرام قبل أن تُدوَّن الأحاديث؟
نعم، إن الحديث ذريعة ثالثة للهداية، لأن الأحاديث تفصّل لنا شيئًا كثيرًا من أمور الإسلام التاريخية والأخلاقية والفقهية. وبالإضافة إلى ذلك، فإن أكبر فائدة للحديث هي أنه خادم القرآن وخادم السنّة. إن الذين لم يُعطَوا حظًا من أدب القرآن فإنهم يعتبرون الحديث حَكَمًا على القرآن كما فعل اليهود بأحاديثهم، ولكننا نعُدّ الحديث خادمًا للقرآن والسنّة، والظاهر أن عظمة السيد تزداد بوجود الخَدم. إن القرآن قولُ الله، والسنّة فعلُ رسول الله، والحديث شاهدٌ مؤيِّد للسنّة. فمن الخطأ القول بأنّ الحديث حَكَمٌ على القرآن، نعوذ بالله من ذلك. إذا كان ثمة حَكَمٌ على القرآن فهو القرآن نفسه، أما الحديث -وهو على مرتبة ظنية- فلا يمكن أن يكون حَكَمًا على القرآن، إنما هو مجرد شاهد مؤيِّد له. لقد أنجز القرآن والسنّة العملَ الأساسَ كله، وليس الحديث إلا شاهد مؤيّد، وأنَّى للحديث أن يكون حَكمًا على القرآن؟ لقد كان القرآن والسنّة يهديان الخلقَ في زمن لم يكن فيه لهذا الحَكَم المزعوم أثر. لا تقولوا إن الحديث حَكَمٌ على القرآن، بل قولوا إنه شاهد مؤيِّد للقرآن والسنّة.
والسنّة توضّح لنا مشيئة القرآن. والمراد من السنّة الطريقُ الذي سيَّر عليه الرسول صلى الله عليه وسلم أصحابَه عمليًا. وليست السنّة اسمَ تلك الأقوال التي دُوِّنت في الكتب بعد نحو مئة وخمسين عامًا، إنما تُسمّى تلك الأقوال حديثًا، أما السنّة فهي اسم للأسوة الحسنة التي لم تزل مطّردة متواترة عبر أعمال صلحاء المسلمين منذ بدء الإسلام ودُرِّب آلاف المسلمين عليها.
معيار صحة الأحاديث
نعمْ، إن الحديث -مع أن أكثره على مرتبة الظن- لجديرٌ بالتمسك به شريطة أن لا يعارض القرآنَ والسنّة. إنه مؤيِّدٌ للقرآن والسنّة، ويحتوي على ذخيرة كبيرة من المسائل الإسلامية، لذا فعدمُ الأخذ بالحديث يعني بتْرَ عضوٍ من أعضاء الإسلام. بيد أنه إذا كان ثمة حديثٌ مناقضٌ للقرآن والسنّة، ومعارضٌ لحديث آخر موافقٍ للقرآن، أو كان مخالفًا لما ورد في صحيح البخاري، فإن ذلك الحديث غير جدير بالقبول، لأن قبوله يؤدي إلى رفض القرآن ورفضِ جميعِ الأحاديث التي توافق القرآنَ. وأعلم أن أحدًا من المتقين لن يجرؤ على أن يثق بحديثٍ يخالف القرآن والسنة وينافي الأحاديثَ الموافقة للقرآن الكريم. باختصار، اقدروا الأحاديث حقَّ قدرها واستنفعوا منها، فإنها تُنسب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا تكذِّبوها ما دام القرآن والسنّة لا يكذِّبانها. تمسكوا بالأحاديث النبوية تمسّكًا بحيث لا يصدر منكم حركةٌ أو سكون أو فعلٌ أو تركُ فعل إلاّ ويكون هناك حديثٌ يؤيده. ولكن إذا كان هناك حديث يعارض قصص القرآن معارضةً صريحة، فعليكم أن تحاولوا التطبيق والتوفيق بينهما، فلعل التعارض راجع إلى سوء فهمكم، أما إذا لم يزُل التعارض بأي طريق، فانبذوا مثل هذا الحديث، فإنه ليس من رسول الله صلى الله عليه وسلم. وإذا كان هناك حديث ضعيف يوافق -مع ضعفه- القرآنَ فاقبلوه، لأنّ القرآن مصدِّقُه. وإن كان هناك حديث يتضمن نبوءة، لكنه ضعيف عند المحدِّثين، ثم تحققتْ النبوءة الواردة فيه في عصركم أو قبْلكم، فاعتبِروه حديثًا حقًّا، واعتبِروا المحدِّثين والرُواةَ الذين وصموه بالضعف والوضع مخطئين كاذبين. فهناك مئاتُ الأحاديث التي تحتوي على نبوءات، وأكثر هذه الأحاديث مجروحةٌ أو موضوعة أو ضعيفة عند المحدّثين، فإذا تحقّق حديث منها ولكن أهملتموه قائلين لا نسلّم به، لأنه ضعيف، أو أن فلانًا من رُواته غيرُ متديِّن، فيكون هذا دليلا على خيانتكم إذ رفضتم حديثًا أظهر الله صِدْقَه. لو كان هناك ألف حديث من هذا القبيل وكانت كلها ضعيفة عند المحدثين، ثم تحققت نبوءاتها الألفُ، فهل ترضون بإضاعة ألف برهان من براهين الإسلام بتضعيفكم هذه الأحاديث كلها؟ لا شك أنكم في هذه الحالة ستُعَدُّون من أعداء الإسلام. يقول الله عز وجل (فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلاّ مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ)، فإلى من تُـنسَب النبوءة الصادقة سوى الرسول الصادق؟ أَمِن الإيمان أن يقال في هذه الحالة إنّ أحد المحدثين قد أخطأ في تضعيفِ حديث صحيح، أم أن يقال إن الله هو الذي أخطأ إذ صدّق بفعله حديثًا موضوعًا؟ فاعملوا بالحديث -وإن كان ضعيفًا- بشرط أن لا يعارض القرآنَ والسنّةَ والأحاديثَ الموافِقة للقرآن الكريم.
غير أن العمل بالأحاديث يجب أن يكون بحيطة كبيرة، لأنّ كثيرًا منها موضوعةٌ أحدثتْ في الإسلام فتنةً. فكلّ فِرقة لديها حديث يوافق عقيدتَها؛ حتى إن الاختلاف في الأحاديث قد جعل الصلاة –هذه الفريضةَ اليقينيةَ والمتواترةَ- على صور مختلفة؛ فبعضهم يجهر بـ "آمين"، وبعضهم يُسِرّ بها، وبعضهم يقرأ "الفاتحة" خلف الإمام، وبعضهم يرى أن قراءتها وراءه تفسد الصلاة، ومنهم مَن يضع يديه على صدره خلال الصلاة، ومنهم من يضعهما عند سُرّته. والسبب الحقيقي لهذا الاختلاف هو الأحاديث. (كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ). إن السُّنة لم ترشد إلا إلى طريق واحد، ولكن اختلاف الروايات أدّى فيما بعد إلى تشعُّب هذا الطريق الواحد. كما أن عدم فهم بعض الأحاديث قد أهلك الكثيرين. لقد هلك الشيعة أيضًا بالسبب نفسه، فلو أنهم اتخذوا القرآن حَكَمًا لهم لوهبتْهم سورة النور وحدها نورًا، لكن الأحاديث أهلكتْهم. وكذلك قد هلك في زمن المسيح عليه السلام أولئك اليهود الذين كانوا يسمَّون "أهلَ الحديث". كانوا قد هجروا التوراة منذ مدّةٍ، وكانوا -ولا يزالون- يرون أن الحديث حَكَمٌ على التوراة. كانت عندهم أحاديث كثيرة تقول إن مسيحهم الموعود لن يأتي ما لم ينـزل إيلِيَّا من السماء بجسده العنصري ثانيةً. فعثرت بهم تلك الأحاديث أيّما عثرة، فما استطاعوا لاتّكالهم عليها أن يقبلوا التأويل الذي قدّمه لهم المسيح عليه السلام إذ قال لهم إن المراد من إلياس (إيليّا) هو يوحنا أي يحيى النبي، الذي جاءَ على فطرة إلياس وشمائله وتسربلَ سرباله على سبيل البروز. فكانت عثْرتُهم كلها من جرّاء الأحاديث، وقد أفضت بهم إلى الكفر في نهاية المطاف. من الممكن أنهم أخطأوا في فهم تلك الأحاديث، أو أن شيئًا من كلام البشر قد خالطَها.

نقله هاني الزهيري


 

خطب الجمعة الأخيرة