loader
 

السؤال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاتة اريد تفسيرا" للاية رقم (101) من سورة النحل ولكم جزيل الشكر

هذه الآية: {وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} (النحل 102)
جاء في تفسيرها في التفسير الكبير:
الآية هي في الأصل العلامة والدليل، وإن أُطلقت أيضًا على جُمل القرآن الكريم، لأن كل جملة منه تمثّل في حد ذاتها علامة للهداية؛ ولكن هذا المعنى الثاني ليس حقيقيًّا، إذ لا نجد القرآن قد استخدم الآية بهذا المعنى بشكل قطعي. لا شك أنه يبدو في بعض مواضع القرآن وَكأن كلمة "الآية" قد استُعملت هناك بمعنى الجملة، ولكن هذا ليس بأمر قطعي، إذ يمكن أن يراد بالآية هناك العلامة والدليل أيضًا. غير أن المسلمين قد استعملوها منذ البداية بمعنى الجملة حيث كان الصحابة يسمّون الجُمل القرآنية آياتٍ، كما نجد هذا الاستخدام في كلام النبي صلى الله عليه وسلم أيضًا (البخاري: كتاب الجهاد وكتاب فضائل القرآن). فاشتبه الأمر على بعض المفسرين بسبب هذا الاستخدام، ففسّروا هذا اللفظ بمعنى الجملة القرآنية حتى في هذه الآية التي نحن بصدد تفسيرها، فقالوا أن المراد أن الله تعالى كلما نسخ آية من آيات القرآن وأنزل مكانها غيرها قال الكفار للنبي صلى الله عليه وسلم: إنما أنت مفتر على الله تعالى. لو كان القرآن من عند الله لما اضطُررت لنسخ آياته؟ (تفسير القرطبي)
ولكن هذا المعنى ليس بصحيح في رأيي، إذ ليس من الثابت تاريخيًّا أن آية من القرآن استُبدلت بآية أخرى، وإلا لشهد على ذلك مئاتُ الحفّاظ الذين كانوا قد حفظوا القرآن عن ظهر قلب في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، ولقالوا: لقد حَفَّظَنا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في أول الأمر آية فلانية، ثم ألغاها وحفّظنا مكانها آية كيت؛ مما يمثّل برهانًا قطعيًّا على أن كل الأفكار الرائجة حول نسخ آيات من القرآن الكريم إنما أساسها الظن، وليس العلم والواقع. إنني لا أنكر أن بعضًا من الأحكام قد استُبدلت في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، ولكني لم أجد أية شهادة تدل على أن حكمًا من الأحكام نزل في القرآن في البداية بشكل ثم استُبدل بحكم آخر. وأرى أن الأحكام التي كانت ذات صبغة مؤقتة قد نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم بوحي منفصل عن وحي القرآن، فلم يتطلب الأمر تبديل أي حكم نـزل في الوحي القرآني.
ويمكن أن يتساءل هنا أحد: إذا لم يحدث أي تبديل ولا تغيير في آيات القرآن الكريم فماذا تعني هذه الآية إذن؟
والجواب: أن المعنى الحقيقي الذي أراده القرآن الكريم على العموم لكلمة "الآية" هو العلامة السماوية، وهذا هو المعنى المراد هنا. فالله تعالى يعلن هنا أن من سنتنا أن نبدل علامة سماوية بعلامة أخرى، لأننا الأعلم أيُّ العلامات والمعجزات أكثر تلاؤمًا مع الظرف والموقف، ولكن الكفار لا يلبثون لجهلهم أن يعترضوا ويقولوا للرسول: إنك مفترٍ، مع أنه ليس في هذا ما يدعو للطعن.
وهذا هو الناموس الإلهي الذي تجلى دائمًا في زمن كل نبي ورسول. ذلك لأن الله تعالى يخبر كل رسول بأنباء إنذارية تكون في الواقع مشروطة بشروط، فلو أن القوم غيروا حالة قلوبهم فقد يلغي الله بعض هذه الأنباء التحذيرية كليةً، ومثاله ما حدث بقوم يونس عليه السلام، حيث أخبرهم بهلاكهم الموشك، ولكنه تعالى ألغى قرار هلاكهم نتيجة توبتهم (يونس: 99). فهذا هو القانون الإلهي العام فيما يتعلق بالأنباء التي فيها إنذار وتخويف‎، فلو أن أعداء الرسل تابوا فإنه تعالى يلغي الإنذار ويلغي العذاب.
أما الأنباء المتعلقة بغلبة نبي وأتباعه فلا تُلغَى أبدًا، بل لا بد من تحققها؛ غير أن الأمة التي قطع الله معها وعدًا من الوعود إذا قصّرت في تقديم التضحيات أو في الطاعة فمن سنة الله تعالى أنه يؤجّل الوفاء بما وعد؛ ومثال ذلك ما حدث بقوم موسى عليه السلام، حيث خرج بهم من مصر - بحسب وعد من الله تعالى - ليدخل بهم الأرض المقدسة فاتحًا، ولكنه سبحانه وتعالى أجّل تحقيق هذا النبأ لهم أربعين سنة جراء عصيانهم المتكرر لتعليمات نبيهم. ولقد سجل القرآن هذا الوعد الإلهي بلسان موسى كالآتي: (يا قومِ ادْخُلوا الأرضَ المقدَّسةَ التي كتَبَ اللَّهُ لكم)(المائدة: 22)، ثم ذكر عصيانَ اليهود لموسى عليه السلام والقرارَ الإلهي بحرمان الأرض عليهم أربعين سنة، في قوله تعالى لموسى: (فإنها محرَّمةٌ عليهم أربعينَ سنةً يَتِيهُون في الأرض فلا تَأْسَ على القومِ الفاسقينَ)(المائدة:27). مما يعني أن هذا النبأ والوعد قد أُجِّل لبعض الوقت، ولكنه تعالى لم يُلْغِه كليةً، لأن الله لا يُخلف الميعاد.
ووفق هذه السنة المتعلقة بعذاب الكفار كلما ألغى الله نبأ من الأنباء أثار الكفار ضجة بأن صاحبهم مفترٍ كذاب. لماذا لم يتحقق ما أنذرَنا به لو كان من الصادقين. وكان أعداء النبي صلى الله عليه وسلم أيضًا يثيرون مثل هذه المطاعن، فرد الله عليهم بأننا ننـزل آيات العذاب لهدف معين وهو الإصلاح، وحين نرى أن أحدًا قد غيّر سيرته وأصلح حاله نبدّل قرارنا السابق، ونلغي عقابه أصلاً، ونُري آية الرحمة في حقه، لأن هدفنا الإصلاح لا الإيذاء. لقد حصل هذا مرارًا في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، فمثلاً أخبره الله في القرآن عن كفار مكة أنهم لا يؤمنون (البقرة: 7)، وكان هذا الخبر بمنـزلة نبأٍ بعذابهم، ولكن الله تعالى ألغاه في حق كثير منهم ممن تولدت في قلوبهم خشية الله بعد الإنذار، فمنحهم نعمة الإيمان مكان العذاب.
هذه القضية واضحة تمامًا، ومع ذلك يتعثر الناس دائمًا في فهمها، لأنهم يظنون أن إلغاء الوعد كذب، مع أن إلغاء وعد العقاب لا يُعَدّ كذبًا، وإنما إلغاء وعد العطاء يُعَدُّ كذبًا؛ فقد ورد في قواميس العربية: "الخُلْفُ في الوعد عند العرب كذبٌ وفي الوعيد كرمٌ (الأقرب).
إذن فالمراد الحقيقي من هذه الآية أننا نلغي أحيانًا الأنباء الإنذارية، فيعترض على ذلك الكفار، ولكن طعنهم باطل، لأن قرارنا هذا مبني على الحكمة، إذ ليس فيه هضمٌ لحق أحد حتى يكون مثارًا للاعتراض. ونظرًا إلى هذا المعنى ستفسَّر "الآية" هنا بمعنى الأنباء التحذيرية التي مر ذكرها من قبل.
هذا، ونظرًا إلى السياق وترتيب القرآن الكريم يمكن تفسير هذه الآية بمعنى آخر هو أكثر انطباقًا هنا وهو كالآتي: لقد بيّنتُ من قبل أن هذه السورة تعالج موضوع ضرورة الوحي، ومن الأدلة التي سبق أن ذكرها الله بهذا الصدد مجيءُ الرسل في الماضي، كقول الله تعالى (تالله لقد أرسَلْنا إلى أمم من قبلك)(الآية: 64)، وقوله تعالى (ويومَ نبعَثُ في كلِّ أُمّةٍ شهيدًا عليهم مِن أنفسِهم)(الآية:90). ولما عجز الكفار أمام هذا البرهان قالوا: حسنًا، إذا كان الرسل قد بُعثوا في الماضي فيجب أن يكون تعليمهم وتعليم الإسلام واحدًا، ولكننا نجد فيما يعلّمنا محمد أمورًا تخالف تعاليم الرسل السابقين؟ فثبت أنه كاذب، إذ كيف يمكن أن يقول الله لهؤلاء الرسل غير ما يقول لمحمد؟!
لقد رد الله على هذا الزعم فقال (واللهُ أعلمُ بما ينـزِّل).. أي أن اختلاف القرآن مع بعض تعاليم الرسل الأولين لا يعني أنه يعارض تلك التعاليم الحقة، وإنما سببه أن حاجات هؤلاء تختلف عن حاجات أولئك، ولا بأس في ذلك إذ من الممكن أن يعطي الشخص الواحد تعليمات مختلفة لأناس مختلفين بالنظر إلى حاجاتهم المختلفة، ولا يجوز لأحد أبدًا أن يستنتج من ذلك أنه ما دامت الأحكام مختلفة فلا بد أن تكون قد صدرت من جهات مختلفة لا من جهة واحدة. ذلك لأن الأحكام لا تختلف بسبب اختلاف مصدرها فقط، بل تختلف أيضًا بسبب اختلاف المخاطَبين مع كون مصدرها واحدًا، لأنها تصدر بالنظر إلى استعداداتهم المختلفة. إذن فكان من واجب الكفار أن يروا ما إذا كان تعليم القرآن وفق مقتضيات العصر أم لا؟ فإذا توافر فيه هذا الشرط أصبح الاختلاف في تعليمه وتعليمات الأولين دليلاً على أن اللهَ عالمَ الغيب هو الذي أنزل القرآن على محمد صلى الله عليه وسلم ، وليس أن الذي أنزل الوحي على محمد هو غيرُ من أنزل الوحي على الأنبياء السابقين.
هذا المعنى الأخير يتماشى مع الآية التالية أيضًا، لذلك أراه أصح المعاني المذكورة. فتؤخذ كلمة "الآية" هنا بمعنى الكتاب؛ لأن الكتاب السماوي أيضًا آيةٌ أي معجزة، بل إن كتب الأنبياء هي أكبر معجزاتهم.
الغريب أن هذا الاعتراض لم يزل يتردد على مر العصور حيث لا ينفك الكتّاب المسيحيون يقولون حتى اليوم: إذا كان القرآن يدّعي بأنه مصدِّق لما بين يديه من الكتب السماوية فلماذا يختلف معها إذن؟ فاختلافه مع الكتب السابقة يعني أن محمدًا قد اختلق القرآن من عنده. ولما كان محمد غير ملمٍّ بالأسفار السابقة فلذلك ذكر في القرآن عند اختلاقه أمورًا تتعارض مع ما ورد في تلك الأسفار (تفسير القرآن لـِ "ويري": سورة البقرة الآية 90).
نقله


 

خطب الجمعة الأخيرة