رأيٌ في لغة المسيح الموعود عليه السلام.. 4
قولٌ في النّفْسِ والذّات ..
بقلم: د. أيمن فضل عودة
كنت قد كتبت مرة العبارات التالية: «نفس هذا المعيار»، و«نفس هذه المعاني» و«لها ذات الدلالة»؛ فغيّرها – ولا أقول صحّحها- لي أحد الأحبة إلى: «هذا المعيار نفسه»، و«هذه المعاني نفسها»، و«لها الدلالة ذاتها».
ولا أرى هذا النهج من التخطيء المستعجَل، إلا تأثرا بما تناقلته كتب الخطأ والصواب، على ما فيها من لغط وتضارب في الأحكام، فترى المدقق اللغوي إن كان قرأ لمحمد العدناني قوله في هذه الأمور، اتخذ أقواله قرآنا منزلا لا بد من التعبد فيه، نظرا لكون العدناني صاحب أشهر هذه الكتب في العصر الحديث. فها هو العدناني يقول في النفس والعين ما يلي:
«ويقولون: جاء نفسُ الرّجلِ. والصواب: جاء الرّجل نفسُه؛ لأن كلمتي (نفس) و(عين) إذا كانتا للتوكيد، وجب أن يسبقهما المؤكَّد، وأن تكونا مثله في الضبط الإعرابي، وأن تضاف كل واحدة منهما إلى ضمير مذكور حتما، يطابق هذا المؤكَّد في التذكير والتأنيث، والإفراد والتثنية والجمع». [معجم الأخطاء الشائعة لمحمد العدناني ص: 252]
ولم يكن العدناني بدعا في هذا القول، فقد سبقه من سبق من المخطّئين منذ بداية القرن الماضي، مثل أسعد داغر في كتابه تذكرة الكاتب. (انظر: تذكرة الكاتب، ص: 53)
وقد نقل العدناني هذا التقييد من النحو الوافي عند حديثه عن النفس والعين في باب التوكيد، وظني به أنه نقل ما نقل غافلا عن تقييد النحو الوافي هذا الحكم كله بالقول: «إذا كانتا للتوكيد». مما يعني أن النفس والعين كباقي ألفاظ التوكيد المعنوي، قد لا تأتي للتوكيد النحوي الإصطلاحي، مع إفادتها التوكيد معنًى، فقد يُفقد المؤكَّد قبلها، فتخرج من هذا الباب – التوكيد النحوي الاصطلاحي- لتقع معمولة للعوامل الأخرى، وقد تخرج عن معنى التوكيد كلية. وقد نوّه النحو الوافي لكل هذا في موضع آخر بقوله:
«وأما (نفس) و(عين) فالصحيح عند فقد المؤكَّد وقوعهما معمولين-أحيانًا- لبعض العوامل، وإفادتهما التوكيد المعنوي مع امتناع إعرابهما توكيدًا، ومن الأمثلة قوله تعالى: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ (الأَنعام 55)، ونحو: جاءني عين الكتاب.... والعرب تقول: نزلت بنفس الجبل، ونفسُ الجبل مقابلي». [النحو الوافي (3/ 515-516)].
وإن غفل العدناني عن كل هذا، فلم يغفل عنه أساتذتنا الفحول في مجمع اللغة العربية المصري، إذ بتّ المجمع في هذه القضية وفصل فيها بقرار فصل مفاده:
«يتحرج بعض الأدباء والكتّاب من استعمال كلمة (نفس) في غير التوكيد المعنوي، لما وردت به عبارات الأئمة كما في شرح الأشموني: «لا يلي العامل شيء من ألفاظ التوكيد وهو على حاله في التوكيد إلا جميعا وعامة مطلقا، وإلا كلّا وكِلا وكلتا مع الابتداء بكثرة ومع غيره». وقد علق الصبان على ذلك بقوله: «على حاله في التوكيد واعترض بقولهم: جاءني نفس زيد وعين عمرو. وفي التنزيل: {كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ } (الأَنعام 55)».
وعلى هذا ترى اللجنة أن (نفس) و(عين) كلمتان تستعملان في التوكيد المعنوي، وأن كلمة (نفس) تستعمل في العبارة بها عن الذات في غير التوكيد وشاهد على هذا آيات القرآن الكريم والحديث ولسان العرب، وتستعمل أيضا في العبارة بها عن معنى التوكيد دون أن تدخل في نطاق التوكيد الاصطلاحي، كما جاء في تعبير سيبويه والجاحظ: نفس الكلام، و:نفس الترجمة».[القرارات المجمعية في الألفاظ والأساليب، ص: 275]
واعتمد المجمع في هذا القرار على بحث للأستاذ عبد السلام هارون، أهم ما جاء فيه ما يلي:
1: أن الصبان خالف تقييد الأشموني المذكور أعلاه بذكره: جاءني نفس زيد وعين عمرو، أي: ذاتهما، وفي التنزيل: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ (الأَنعام 55)، أي: ذاته. ويعني الصبان في ذلك، إمكانية وقوع النفس والعين معمولة للعوامل المختلفة مع إفادتهما التوكيد المعنوي، دون أن تكون مندرجة في التوكيد النحوي الإصطلاحي.
2: ذكر تمثيلا لهذا قول سيبويه في «الكتاب»: نزلت بنفس الجبل، ونفس الجبل مقابلي. وقول الجاحظ في كتابه «الحيوان»: ولا بد للترجمان أن يكون بيانه في نفس الترجمة، في وزن علمه في نفس المعرفة.
3: أن النفس والعين قد تستعمل في غير التوكيد، بمعنى ذات الشيء وروح الكائن، كما في قوله تعالى: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ (النساء 2).
وخلص الباحث إلى النتيجة التالية:
وعلى ذلك نجد أن النفس تستعمل استعمالين آخرين غير استعمالها في التعبير عن التوكيد المعنوي الاصطلاحي:
أ: في العبارة بها عن الذات في غير توكيد. وهذا كثير جدا.
ب: في العبارة بها عن معنى التوكيد دون أن تدخل في نطاق التوكيد الاصطلاحي، كما في تعبير سيبويه والجاحظ.
ج: لذا نرى أن قولهم: نفس الشيء، استعمال صحيح فصيح لا ترقى إليه الريبة.
[انظر لكل هذا: كتاب الألفاظ والأساليب، الجزء الثالث، ص: 92-95]
وأكد كل هذا مما ذهب إليه المجمع واستند عليه، الأستاذ أحمد مختار في معجم الصواب اللغوي، حيث قال: «الصواب والرتبة: -جاء في الوقت نفسه [فصيحة]-جاء في نفس الوقت [فصيحة]». [معجم الصواب اللغوي (1/ 764)]
ويؤيد الأستاذ إميل بديع يعقوب كل هذا من صحة القول: «جاء نفس الرجل»، في معجمه.[انظر معجم الخطأ والصواب في اللغة، 256-257]
وأما كلمة (ذات)، فبينما ذهب أسعد داغر إلى تخطيء استعمالها للتوكيد ككلمة (نفس) و(عين) كما في القول: «جاء الرجل ذاته» وعدّها من الأوهام، والصحيح عنده: "جاء الرجل نفسه أو عينه» فقط، – فهو يخطّئ ما يذهب إليه بعض المدققين اللغويين كما أشرنا أعلاه- [انظر: تذكرة الكاتب 121] نرى أن العدناني يقول بصحتها بهذا التركيب وصحة استعمالها مضافة، فيقول: « ويخطّئون من يقول: «فعلت ذات الشيء»، ويقولون إن الصواب هو: «فعلت الشيء ذاته»، ظانين أن (ذات) هي من ألفاظ التوكيد المعنوي السبعة. والحقيقة هي أننا يجوز أن نقول: «فعلت الشيء ذاته»؛ لأن (الذات) تحمل معنى النفس والعين، أو: «فعلت ذات الشيء»؛ لأن (ذات) ليست توكيدا معنويا لـ (شيء)، لكي تأتي بعده وجوبا». واستدل لأقواله هذه بتصريح المعاجم المحتلفة أن النفس تعني الذات. [انظر: معجم الأغلاط اللغوية المعاصرة، محمد العدناني، ص: 241 -242]
والعجيب في كل هذا، أن ترى العدناني يستميت لإثبات أن الذات تعني النفس، ويصوّب القول: «ذات الشيء»، ولا يستشف من هذا إشارة ولو كانت بسيطة إلى جواز القول: «نفس الشيء» فيذهب إلى تخطيئه كما بيّنا.
ويؤكد الأستاذ أحمد مختار صحة استعمال (ذات) مضافة، فيقول:
«الصواب والرتبة: -أبصرت الصفحة عينها [فصيحة]-أبصرت الصفحة نفسها [فصيحة]-أبصرت ذات الصفحة [فصيحة]
التعليق: إذا أريد التوكيد ينبغي استخدام أحد ألفاظه كالمثالين الأول والثاني، أما المثال المرفوض – أبصرت ذات الصفحة- فهو صواب؛ لأن «ذات» قد تجعل اسمًا مستقلاًّ فيعبر بها عن الأجسام كما يقول المصباح (ذوي)، وقد صار استعمالها بمعنى نفس الشيء عرفًا مشهورًا». [معجم الصواب اللغوي (1/ 383)]
ولما كان المسيح الموعود عليه السلام قد عُلِّم اللغة وأُشربها من لدن حكيم عليم، مما يجعل لغته حجة بحد ذاتها، نورد هنا العديد من المواضع التي استعمل فيها المسيح الموعود عليه السلام كلمتي نفس وذات بالتراكيب التي يظنها البعض خطأ، لتكون هذه المواضع شاهدا على صحة وفصاحة التركيب الذي يخطئونه.
1: وراح يعيد نفس الاعتراضات. (منن الرحمن) (2/ 18)
2: بأنه نفس المطلوب الذي يبحثون عنه. (منن الرحمن) (3/ 12)
3: وما حمله على ذلك إلا بعض المصالح التي رأى في نفس تلك المكائد. (نور الحق)
4: فمثلا لو قُتل موسى في نفس اليوم. (تذكرة الشهادتين) (1/ 83)
5: فمثلا لو قُتل موسى في نفس اليوم الذي مثُل فيه أمام فرعون، أو استُشهِد النبي - صلى الله عليه وسلم - على يد الكفار في نفس اليوم الذي حاصروا فيه بيته. (تذكرة الشهادتين) (1/ 83)
6: هو ذات الشخص الذي أخجل الله تعالى الشيخ وأذلّه على يده. (سر الخلافة)
وخروج المسيح الموعود عليه السلام في ألفاظ التوكيد المعنوي من باب التوكيد النحوي الاصطلاحي مع إفادتها التوكيد معنى، ليس مقتصرا على كلمتي النفس والعين، بل يطال ألفاظ التوكيد المعنوي الأخرى، مثل : (كل) و(جميع) كما في قوله عليه السلام:
1: واتفق كلُّهم على أن عيسى أتى بفضل من الله. (الخطبة الإلهامية)
2: وقد اجتمع جميعُهم صائلين على الإسلام. (لجة النور)
ومثل هذه الجمل مواضع عديدة في لغته عليه السلام. وهو أمر أكد النحو الوافي صحته بالنسبة لجميع ألفاظ التوكيد المعنوي. إلا أن جهل معارضي الجماعة بهذه الدقائق اللغوية والنحوية، جعلهم يخطّئون مثل هذه العبارات الواردة في لغته عليه السلام، ظانين أن هذه الألفاظ يقتصر استعمالها على باب التوكيد النحوي الاصطلاحي، مما يمنع حذف المؤكد قبلها ومجيئها معمولة للعوامل النحوية المختلفة غير التوكيد؛ فيدحض النحو الوافي زعمهم هذا بقوله:
« قد تقع ألفاظ التوكيد المعنوي السبعة (وهي: نفس، عين، كِلاَ، كلتا، كلّ، جميع، عامة) معمولة لبعض العوامل، ولا تعرب توكيدًا لعدم وجود المؤكَّد؛ فتعرب على حسب حاجة ذلك العامل، فاعلًا، أو مفعولًا، أو مبتدأ، أو خبرًا ... و ... وبالرغم من امتناع إعرابها توكيدًا تظل في حالتها الجديدة تؤدي معنى التوكيد كما كانت تؤديه من قبل، مع أنها في حالتها الجديدة لا تسمى في اصطلاح النحاة توكيدًا، ولا تعرب توكيدًا. وهذا كثير في: (جميع)، و(عامة)....أما: (كُلّ) فيكثر وقوعها -عند فقْد المؤكَّد بعد عامل الابتداء، فتكون مبتدأ، ويقل وقوعها بعد غيره..». [النحو الوافي (3/ 513-512)]
وبناء على كل هذا تتأكد صحة وفصاحة التعابير التي يخطّئها البعض في النفس والعين والذات، وألفاظ التوكيد المعنوي الأخرى، مما جاء في عبارات الكتّاب وعبارات المسيح الموعود عليه السلام؛ لنستدرك على المخطّئين ونقول:
استدراك:
قل: «هذا المعيار نفسه»، و«لها الدلالة ذاتها» و «اتفق الناس كلهم». وقل: «نفس هذا المعيار»، و«لها ذات الدلالة» و«اتفق كلهم»؛ ولا حرج ولا خطأ، فكله صحيح فصيح!
وليكن شعارنا دائما: يسّروا ولا تعسّروا، وسّعوا ولا تضيّقوا ، بشّروا ولا تنفّروا؛ ففوق كل ذي علم عليم!!!
زاوية المقالات والمدونة والردود الفردية هي منصة لعرض مقالات المساهمين. من خلالها يسعى الكاتب قدر استطاعته للتوافق مع فكر الجماعة الإسلامية الأحمدية والتعبير عنها بناء على ما يُوفّق به من البحث والتمحيص، كما تسعى إدارة الموقع للتأكد من ذلك؛ إلا أن أي خطأ قد يصدر من الكاتب فهو على مسؤولية الكاتب الشخصية ولا تتحمل الجماعة الإسلامية الأحمدية أو إدارة الموقع أي مسؤولية تجاهه.