loader
 

السؤال: بسم الله الرحمن الرحيم. أجمع علماء السنة والشيعة قديما وحديثا على أن الجن الشبحي مخلوقات عاقلة مكلفة بصريح الآيات الكريمة التي ورد ذكرها في القرآن الكريم ولقد نشطت ألسنة السحرة والمشعوذين والرقاة والدعاة وإن تفسيرات الإخوة الأحمديين قد صدمت عقول المسلمين فلم يستسيغوها ووقعت من نفوسهم موقع التعجب.السؤال: لماذا لم يشر بن عباس في تفسيره للقرآن الكريم ليعرف الحقيقة المفسرون التقليديون الأوائل؟. علما أن رأيكم معقو

لم يفسر الرسول صلى الله عليه وسلم القرآن الكريم وقت نزوله، بل كان يتلوه على الصحابة، ويطلب منهم كتابته. ولم يرد أنه كان يشرح كل آية، أو يطالب بكتابة شرحها والتعليق عليها. وهذا ما لا أعرف فيه خلافا.
نعم، لقد كان صلى الله عليه وسلم يفسر ويشرح ويوضح، فمثلا حين نزلت أوائل سورة الجمعة (وآخرين منهم) سئل الرسول - صلى الله عليه وسلم - مَن هؤلاء؟ فأجاب أنه لو كان الإيمان بالثريا لناله رجل من هؤلاء وأشار إلى سلمان الفارسي. ولكن هذه الأمثلة قليلة مقارنة بعدد آيات القرآن العظيم.
الآن، كيف كان الصحابة يفهمون آيات الجن في القرآن الكريم؟
ليس من شك في أنهم كانوا يفهمونها كما نفهمها نحن الآن، وليس كما صار شائعا في الفكر التقليدي، فقد كانوا يطلقون على الغريب جنًّا، وكانوا يُسمّون كل مستتر جنًّا كذلك، فهل تراهم جَهَلة لدرجة أن يعتبروا الغرباء -الذين جاءوا خفية وآمنوا وقَصَّتْهُم علينا سورة الجن- أشباحا، وقد رآهم بعض الصحابة وتحدثوا معهم، كما رآهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ورأى كثيرٌ من الصحابة آثار نيرانهم التي أوقدوها للتدفئة والطبخ وما شابه ذلك، كما رأوا آثار خيولهم.
هذا مثال واضح على أن الصحابة فهموا أن الجن لفظ يُطلق على البشر إن اتصفوا بصفة الغرابة أو الخفية.
وسآخذ ثلاثة أمثلة، اثنين من التراث الشيعي وآخر من صحيح مسلم لتبيان تطور الفهم الخاطئ للجن.
أخرج الكليني عن أبي الربيع الشامي قال: "سألت أبا عبد الله (الحسين) عليه السلام فقلت : "إن عندنا قوما من الأكراد ، وإنهم لا يزالون يجيئون بالبيع ، فنخالطهم ونبايعهم؟ قال : يا أبا الربيع لا تخالطوهم ، فان الأكراد حي من أحياء الجن، كشف الله تعالى عنهم الغطاء فلا تخالطوهم"
هذه الرواية وردت في أمهات كتب الحديث الشيعية. ومثل هذه الرواية تُفرح المتربصين بالشيعة ليسخروا منهم ومن رواياتهم، وما أكثر الروايات الشيعية المثيرة للاستغراب! لكنّ هذه ليست واحدة منها.
هذه الرواية وأمثالها صحيح في أصله، وإن وردت فيه إضافات من الرواة حسب أفهامهم، ومعنى هذه الروايات بشكل مجمل هو أن الأكراد يعيشون في الجبال والكهوف، وأنهم غرباء لا يعرفهم الناس، ولهم تصرفات مختلفة عما عليه العرب.. والعرب يطلقون على الغريب جنًّا، وكذلك على من فيه صفة الاستتار.
فالجنّ وصف يُطلق على كل من فيه صفة الاستتار، فالمجنون سُمِّي بذلك لأن عقله قد استتر وغاب وضاع، والجنين سمي جنينا لأنه غاب في ظلمات ثلاث. والجنة سميت جنة لأنها أشجارها الملتفة الكثيفة قد سترتها، والأفعى سميت جانًّا لأنها مستترة عن الناس ولا تظهر أمامهم كما يظهر القط والكلب والطيور والزواحف المختلفة.
خذ قصة أخرى من التراث الشيعي في هذا السياق:
تقول الرواية ما معناه أنه "نزلت على الإمام الحسين طوائف من الجن وعرضوا عليه نصرته فأبى، وأنها ظلت تتوسل إليه لتنصره في كربلاء، ولكنه لم يقبل بحال". والتعليل الشيعي لرفضه هو أن الحسين لم يُرِد في حياته أن يسير بخلاف الطبيعة البشرية، لأنه بهذا دعك من هذا التعليل، فهذه الرواية تدل أن الحسين رضي الله عنه قد التقى بعدد من الخارجين على الدولة الأموية الذين أرادوا نصرته ضدها، فرفض رضي الله عنه، لأنه لم يكن يريد القتال، بل كان يريد أن يكون في الكوفة بين أنصاره، لأنه ليس مبايعا ليزيد، ويزيد ليس خليفة شرعيا، فالحسين ليس مبايعا ليزيد ولا محاربا له، وما كان له أن يحاربه، وما كان له أن يسعى لإراقة دماء المسلمين، لكنها جريمة يزيد الذي تحرّش فيه وخيّره بين البيعة مكرها ذليلا وبين القتل، فاضطر للدفاع عن كرامته. وهذه ليست مسألتنا هنا، بل قضيتنا هنا هي أن الجن الذين التقوا بالحسين ليسوا أشباحا، بل بَشَرٌ جاءوا خفية، أو هم من المتمردين المختفين عن الأنظار عادةً، فأُطلق عليهم لفظ جنّ.
على كل حال، إذا قلنا إن الجن أشباح، فلن تكون مرويات الشيعة وحدها مثيرة للسخرية فحسب، بل إن العديد من آيات القرآن العظيم ستبدو غريبة وغير مفهومة بحال، وإلا فهل يمكن أن يكون سليمان عليه السلام قد سخّر الأشباح له لخدمته وهي التي تجلب عرشا يبعد آلاف الأميال، ثم هو سليمان نفسه يبعث عصفورا صغيرا لينقل رسالة إلى مَلِكة في أقصى الأرض؟ هل هذا تصرف عاقل؟ ثم هو نفسه عليه السلام يهدد هذا العصفور بنتف ريشه وتعذيبه عذابا أليما إن لم يأته بمبرر لغيابه الطويل؟ ثم هو نفسه عليه السلام يموت ويمكث سنة وهو ميت من غير أن يعرف أحد بموته؟ ثم هل تأتي الأشباح لتستمع إلى القرآن الكريم بعد سنوات من بعثته صلى الله عليه وسلم، مع قولهم في الفكر التقليدي أن الجن يعرف كل شيء في العالم؟
إذن، كثيرة هي التفسيرات السخيفة عند أهل الحديث، وليس مهما أن نقول أنها أشد سخفا من تفسيرات الشيعة أو أقل، بل المهم هو أن نسعى جاهدين لحثهم جميعا على التفكير، وأن نصوص رواياتهم رغم غرابتها أحيانا، إلا أنها صحيحة إن نُظر إليها من زاوية أخرى.
والآن، لنأخذ المثال الثالث من صحيح مسلم، والتي فهم البعض منه أن بعض أفاعي البيوت هي جنّ قد تشكل في أفعى، وأن المطلوب منا أن نستحلفها ثلاثا قائلين: أستحلفك بالله أن تخرجي!!! تخيلوا، المطلوب أن نتحدث مع الأفعى! أن نستحلف الأفعى!!!! تخيلوا ثانيةً وثالثةً! تخيّل أن زميلا أجنبيا زارك في قريتك، وشاهد الأفعى في غرفتك ففزع، فقلت له لا تفزع، حتى نستحلفها ثلاثا!!!
المهم، لنقرأ الرواية قراءة بريئة عادية بسيطة: يقول الراوي: أَخْبَرَنِي أَبُو السَّائِبِ أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ فِي بَيْتِهِ قَالَ فَوَجَدْتُهُ يُصَلِّي فَجَلَسْتُ أَنْتَظِرُهُ حَتَّى يَقْضِيَ صَلَاتَهُ، فَسَمِعْتُ تَحْرِيكًا فِي عَرَاجِينَ فِي نَاحِيَةِ الْبَيْتِ فَالْتَفَتُّ فَإِذَا حَيَّةٌ فَوَثَبْتُ لِأَقْتُلَهَا فَأَشَارَ إِلَيَّ أَنْ اجْلِسْ، فَجَلَسْتُ فَلَمَّا انْصَرَفَ أَشَارَ إِلَى بَيْتٍ فِي الدَّارِ فَقَالَ أَتَرَى هَذَا الْبَيْتَ؟ فَقُلْتُ نَعَمْ قَالَ كَانَ فِيهِ فَتًى مِنَّا حَدِيثُ عَهْدٍ بِعُرْسٍ، قَالَ فَخَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْخَنْدَقِ، فَكَانَ ذَلِكَ الْفَتَى يَسْتَأْذِنُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنْصَافِ النَّهَارِ فَيَرْجِعُ إِلَى أَهْلِهِ فَاسْتَأْذَنَهُ يَوْمًا فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خُذْ عَلَيْكَ سِلَاحَكَ فَإِنِّي أَخْشَى عَلَيْكَ قُرَيْظَةَ، فَأَخَذَ الرَّجُلُ سِلَاحَهُ ثُمَّ رَجَعَ فَإِذَا امْرَأَتُهُ بَيْنَ الْبَابَيْنِ قَائِمَةً فَأَهْوَى إِلَيْهَا الرُّمْحَ لِيَطْعُنَهَا بِهِ وَأَصَابَتْهُ غَيْرَةٌ، فَقَالَتْ لَهُ: اكْفُفْ عَلَيْكَ رُمْحَكَ وَادْخُلْ الْبَيْتَ حَتَّى تَنْظُرَ مَا الَّذِي أَخْرَجَنِي، فَدَخَلَ فَإِذَا بِحَيَّةٍ عَظِيمَةٍ مُنْطَوِيَةٍ عَلَى الْفِرَاشِ فَأَهْوَى إِلَيْهَا بِالرُّمْحِ فَانْتَظَمَهَا بِهِ، ثُمَّ خَرَجَ فَرَكَزَهُ فِي الدَّارِ فَاضْطَرَبَتْ عَلَيْهِ فَمَا يُدْرَى أَيُّهُمَا كَانَ أَسْرَعَ مَوْتًا الْحَيَّةُ أَمْ الْفَتَى. قَالَ فَجِئْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرْنَا ذَلِكَ لَهُ وَقُلْنَا ادْعُ اللَّهَ يُحْيِيهِ لَنَا فَقَالَ اسْتَغْفِرُوا لِصَاحِبِكُمْ.
الآن ما الذي حدث؟ إنه ببساطة: رجل حاول قتل حية ضخمة فضربها برمحه ضربة قاتلة، ولكنها قبل أن تُقتل لدغته فمات. فكلاهما قتل الآخر.
لكن، لننظر ماذا أضاف الراوي على الحديث. إنه يتابع ليقول: "ثُمَّ قَالَ (- صلى الله عليه وسلم -)إِنَّ بِالْمَدِينَةِ جِنًّا قَدْ أَسْلَمُوا فَإِذَا رَأَيْتُمْ مِنْهُمْ شَيْئًا فَآذِنُوهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَإِنْ بَدَا لَكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فَاقْتُلُوهُ فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ"..
الله أعلم كيف دخل هذا الموضوع على الموضوع السابق! والله أعلم ما الذي تذكَّّّره الراوي الذي كما يبدو قد خلط بين أكثر من رواية وخرج بنتيجة تشكُّلِ الجن بالأفاعي، وبوجوب استحلافها ثلاثة أيام حتى تخرج من البيت. تخيل أننا طلبنا من نسائنا اللاتي يَخَفْنَ الصرصورَ الصغير أن يستحلفن الأفعى! وأن يستمر استحلافهن إياها ثلاثة أيام. ليس ثلاث ثوانٍ ولا ثلاث ساعاتٍ، بل ثلاثة أيام.
إذن، الصحابة فهموا النصوص بشكل بريء بسيط طبيعي، ولم يميلوا نحو الخرافة والغموض والتشكل والتلبس.


 

خطب الجمعة الأخيرة