loader
 

السؤال: بسم الله الرحمن الرحيم اشهد الله العظيم اننى اجد على يديكم كل الاجابات الشافية والمنطقية ولذلك ابعث اليكم بسؤالى التالى (لكى نفهم ان القران العظيم كتابا كاملامن عند الله لابد ان يوجد توافق بين الايات الكريمة فارجو منكم التوفيق بين الايات التالية (انك لعلى خلق عظيم )و(عبس وتولى ) (فاغشيناهم فهم لايبصرون) (لن تجدوا لسنة الله تبديلا)ولكم جزيل الاحترام والتقدير

لا شك أن سيد البشر وخاتم النبيين على خلق عظيم.. لذا فإنه لم يوبّخ الأعمى الذي قاطعه وهو يدعو الناس إلى التوحيد ونبذ الأوثان. إن عمل ابن أم مكتوم خاطئ.. والرسول صلى الله عليه وسلم مارس أعلى أنواع الخلق في التعامل مع خطأ ابن أم مكتوم.
وللمزيد راجع تفسير الآية في سورة عبس في المجلد الثامن من التفسير الكبير على الموقع.. ومع هذا فلا بأس من اقتباس بعض الفقرات من التفسير الكبير، حيث يقول حضرة الخليفة الثاني للمسيح الموعود عليه السلام في تفسير آية (عبس وتولى):
"إذا كان النبي صلى الله عليه وسلم لم يلتفت إلى عبد الله بن أم مكتوم ولم يجب على سؤاله، فقد قام بما هو عين الصواب، فما الاعتراض على ذلك؟ كان النبي صلى الله عليه وسلم يحاور كبار الزعماء مبينًا لهم حقيقة الإسلام، وداعيا إياهم إلى الله ورسوله، فجاءه شخص وأراد مقاطعة حديثه، وتكلم بما يتنافى مع الأدب واللباقة ومع ما يقتضيه الحال، فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم لم يجبه بشيء فقد أصاب. ليس في القرآن الكريم آية تمنع مما فعله النبي صلى الله عليه وسلم، بل لو تصرّف أحد اليوم في مجلسنا كما تصرف ابن أم مكتوم فسوف نعامله بنفس ما عامل به النبي صلى الله عليه وسلم ابنَ أم مكتوم رغم نـزول قوله تعالى في القرآن: (عَبَسَ وَتَوَلَّى).
فمثلاً هأنذا أُلقي الآن درسًا في القرآن الكريم، فيأتي شخص ويقول لي: اترك الدرسَ وأجِبْ على سؤالي، فهل يليق بي أن أتوجه إليه تاركًا الدرس، أم ينبغي الإعراض عنه إذ حاول مقاطعة حديثي غاضًّا الطرف عما يقتضيه الحال؟! الجميع يعلم أن إعراضي عنه هو الأولى والأنسب؛ لأن مثل هذا التصرف المخالف للأدب يقطع تسلسل الحديث ويزيل تأثيره في الطبائع، ويُنسي المتكلم دليله، ويترك تأثيرا ضارًّا على الحضور، فلا بد من الإعراض عن مثل هذا الإنسان. هل من المقبول مثلاً أن يكون الرسول صلى الله عليه وسلم يبين الأدلة على وجود البارئ سبحانه وتعالى أمام هؤلاء الزعماء، فيتدخل ابن أم مكتوم ويطالبه أن يعلّمه سورة النازعات وتفسيرها، ثم بعد الانتهاء من الحديث معه يتوجه صلى الله عليه وسلم إلى القوم ثانية ويقول تعالوا نكمل كلامنا؟ إن هذا التصرف مستبعَد حتى من أشد الناس جهلا وأكثرهم غباء، ومع ذلك يقول هؤلاء: كان من واجب النبي صلى الله عليه وسلم أن يتوجه إلى ابن أم مكتوم ويترك دعوة هؤلاء الزعماء، ضاربًا بمبادئ التهذيب والتمدن عرض الحائط. وكأنهم يريدون أن يرسموا مجلس النبي صلى الله عليه وسلم رسمًا لن تعدّه الدنيا معقولا أبدًا.
الثالث: إن عبوس النبي صلى الله عليه وسلم وإعراضه عن هذا الأعمى دليل على دماثة أخلاقه، ويجب أن يُثنى عليه بسببه، لا أن يُزجر. ذلك أن شخصًا أعمى يأتي النبي صلى الله عليه وسلم ويكلّمه كلاما غير معقول، فلا يقوم صلى الله عليه وسلم بزجره ولا تعنيفه جبرًا لخاطره.. وحينما يقاطعه مرارًا فيكتفي بالعبوس دون أن يقول له بلسانه شيئًا. كان النبي صلى الله عليه وسلم في حيرة من أمره لأن الرجل يقاطعه مرة بعد أخرى، في حين لم يكن بوسعه صلى الله عليه وسلم ترك الحديث مع ضيوفه من ناحية، ومن ناحية أخرى لم يُرِد أن يزجر الأعمى كي لا يكسر خاطره، فماذا يفعل في هذه الحالة يا ترى؟ إن أفضل ما يمكنه أن يفعل عندها هو الإعراض عن هذا الضرير تحقيقًا لهدفين؛ أولهما أن لا ينقطع عن حديثه مع الضيوف وثانيهما أن لا يكسر قلب الضرير. وهذا ما حصل، فعبس النبي صلى الله عليه وسلم وأعرض عن الضرير. وكانت الحكمة في إعراضه أن لا يغضب، لأنه لو ظل متوجهًا إليه فربما يتفوه بكلمة قاسية في غضب، فاكتفى النبي صلى الله عليه وسلم بالعبوس والإعراض عن الأعمى، دون أن يكلّمه بشيء حتى لا يصيب قلبه بصدمة. وهذا عملٌ يستحق من رب العرش ثناءً عليه صلى الله عليه وسلم بدلاً من الزجر. فإذا كان المفسرون يقولون أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يحسن التصرف، فليخبروا ما هو الطريق الأنسب الذي كان عليه صلى الله عليه وسلم أن يتبعه وفقًا للمُثل والأخلاق؟ ولكنهم لن يستطيعوا أن يقترحوا أسلوبا آخر، مما يدل أن هذا هو الطريق الوحيد الأفضل الذي كان يمكن أن يتبعه النبي صلى الله عليه وسلم في تلك المناسبة. كل ما في الأمر أن النبي صلى الله عليه وسلم عبس استياءً من تصرف ابن أم مكتوم دون أن يقول له شيئا، وعندما رأى صلى الله عليه وسلم أنه لا يمتنع عن فعله أعرض عنه صلى الله عليه وسلم حتى لا يغضب عليه ويتفوّه بكلمة قاسية لو ظلّ الأعمى أمام عينيه. وكلا الأمرين يدلان على سمو أخلاقه صلى الله عليه وسلم.............
لو كانت هذه الآيات عتابًا وتوبيخًا للنبي -والعياذ بالله- فكان لا بد أن يغيّر صلى الله عليه وسلم سلوكه في مثل هذه المواقف بعد هذا الحادث؛ وكلما قاطع أحد كلامه توجّهَ إليه من فوره تاركًا الحديث الذي كان فيه. ولكننا نجد في التاريخ وقائع تؤكد أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يغير سلوكه بعد ذلك، فقد ورد أن شخصًا حضر مرة مجلس النبي صلى الله عليه وسلم وهو يكلّم الناس، فسأله سؤالا مقاطعًا كلامه، ولكنه صلى الله عليه وسلم لم يلتفت إليه بل استمر في حديثه حتى ظن الصحابة أن النبي صلى الله عليه وسلم ربما سخط على السائل، ولما انتهى صلى الله عليه وسلم من كلامه، قال: أين السائل؟ ثم أجاب على سؤاله (البخاري، كتاب العلم، باب من سئل علمًا وهو مشتغل في حديثه).
لقد ثبت من هنا أن النبي صلى الله عليه وسلم ظلَّ يسلك نفس المسلك الذي اختاره مع ابن أم مكتوم، وكلما حاول أحد أن يسأله مقاطعا كلامه لم يجبه بشيء، بل استمر في حديثه حتى انتهى منه. ولم يسلك النبي صلى الله عليه وسلم هذا المسلك في مكة فحسب، بل ظل متمسكًا به في المدينة المنورة أيضا. بل يتضح من الروايات الأخرى أن هذا كان دأبه دائما.. أعني أنه كان لا يرد على سائل يحاول مقاطعة كلامه. وإن هذا ما يفعله الشرفاء دومًا. فلو كانت هذه الآيات توبيخا للنبي صلى الله عليه وسلم لغيَّر سلوكه بعد نزولها، وكلما سئل عن شيء أخذ في إجابته فورا أيًّا كان الموقف، مخافة أن يقع في نفس الخطأ الذي وقع فيه من قبل. ولكن النبي صلى الله عليه وسلم لم يسلك هذا الطريق البتة، بل ظل متمسكًا بسلوكه الذي سلكه مع ابن أم مكتوم.
فالسؤال هنا: ما هو الأمر الذي نـزل بسببه هذا النهي والتوبيخ للنبي صلى الله عليه وسلم؟ إن أسوته صلى الله عليه وسلم تؤكد أنه ظل طوال حياته متمسكًا بنفس المسلك الذي سلكه مع ابن أم مكتوم، ولم يحب أن يقاطع أحدٌ كلامَه، لأن هذا يقطع تسلسل الكلام، ويُفقِد الحديثَ تأثيرَه في الناس، ويُنسي المتكلمَ جوانب كثيرة من الموضوع، ولا يستطيع أن يكمل حديثه.
إذًا، فلو فرضنا -جدلاً- صحة ما يقول المفسرون لكان معنى ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرتدع عن سلوكه رغم "التوبيخ الربانيّ" -والعياذ بالله.
لقد سبق أن بينتُ أن الثابت من الروايات أن عبد الله بن أم مكتوم لم يكن وضيعًا. لا شك أنه كان ضريرا، ولكنه كان من عائلة النبي صلى الله عليه وسلم، حيث كان ابن خال خديجة رضي الله عنها، وكان أبواه من عائلة شريفة شهيرة؛ فلا بد أن يكون مقربا من النبي صلى الله عليه وسلم بسبب نَسَبِه الرفيع وقرابته من خديجة، وهذا ما يدل عليه الأمر الواقع أيضًا، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد عيّنه أميرًا على المدينة في غيابه مرتين بعد هذا الحادث، مما يدل أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكنّ له التقدير الكبير، ويقدر نسبه العالي، وهذا أيضًا دليل ساطع على خطأ موقف المفسرين.
وعندي أن الله تعالى قد جعل في هذه الآيات نفسها حلاًّ لهذه المعضلة، ولكن المفسرين لم يولوه الاهتمامَ الكافي." (التفسير الكبير)..
ثم يوضح حضرة المفسر -الخليفة الثاني للمسيح الموعود عليه السلام- ذلك تفصيلا، فلا بد من مراجعته هناك للفائدة التامة..

أما قوله تعالى (فأغشيناهم فهم لا يبصرون) فلا يتعارض مع (ولن تجدوا لسنة الله تبديلا) بحال. فهذا هو سياق الآية الأولى {يس (2) وَالْقُرْآَنِ الْحَكِيمِ (3) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (4) عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (5) تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (6) لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آَبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ (7) لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (8) إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ (9) وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (10) وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (11) إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ } (يس).. فهي تعني أنه بسبب غيّ الكافرين وغيّهم وكبرهم ورفضهم سماع الحق قد أغلق الله تعالى عليهم باب الهداية التي لا يستحقونها بحال.



 

خطب الجمعة الأخيرة