loader
 

السؤال: ما رأيكم في هذا الحديث «‌لَا ‌تَبْدَأُوا ‌الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى بِالسَّلَامِ، وَإِذَا لَقِيتُمْ أَحَدَهُمْ فِي طَرِيقٍ فَاضْطَرُّوهُ إِلَى أَضْيَقِهِ»

من أهم ما يجب أن ينتبه له المرء عند دراسة الأحاديث التي تبدو في ظاهرها مخالفة للنص القرآني، ضرورة قراءتها في سياقها التاريخي و ظرفيتها الزمانية و المكانية.

وبعد ذلك، يتم عرضها على كتاب الله تعالى.
هذا الحديث إذا أخذ بظاهره بتجرد عن سياقه تبدو من متنه مخالفة صريحة للنص القرآني. فالله تعالى يقول بوضوح : 
1. "لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم ان تبروهم وتقسطوا اليهم ان الله يحب المقسطين". (الممتحنة،9)
2. "وان جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله انه هو السميع العليم". (الأنفال،62)
إذن فالقاعدة في الإسلام هي السلام والإستثناء هو الحرب.

وبناء عليه يكون إلقاء تحية الإسلام السلام على غير المسلمين هو إعلان رسمي للمسالمة  والمهادنة وإعطاء للأمن و ضمان للحماية من الغدر. وبالتالي، فالحديث إن ثبتت نسبته إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، فلا يمكن أن يفهم إلا في سياق الحرب. ففي ظروف الحرب يكون إلقاء المسلم السلام على عدوه، يهوديا كان أو نصرانيا أو وثنيا، كذبا و تمويها، إِذْ يجعل العدو يطمئن للمسلم و يأمن له ويظن أنه لن يقاتله. و لهذا نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن إلقاء السلام في حالة الحرب.
ومما يدل على ذلك أن هنالك أحاديث تبين أنه قد ورد النهي عن السلام في عندما خرج النبي صلى الله عليه وسلم للقاء بني قريظة،:
{قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّا غَادُونَ إِلَى يَهُودَ فَلَا تَبْدَءُوهُمْ بِالسَّلَامِ فَإِذَا سَلَّمُوا عَلَيْكُمْ فَقُولُوا وَعَلَيْكُمْ} (مسند أحمد، كتاب من مسند القبائل)
{قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنِّي رَاكِبٌ غَدًا إِلَى الْيَهُودِ فَلَا تَبْدَءُوهُمْ بِالسَّلَامِ فَإِذَا سَلَّمُوا عَلَيْكُمْ فَقُولُوا وَعَلَيْكُمْ} (سنن ابن ماجه، كتاب الأدب)

كذلك فإن في الحديث المسئول عنه نجد إشارة إلى ذلك، وهي عبارة "إذا لقيتم" التي تدل على وجود لقاء مباشر و معارك مستمرة. و مثلها قوله تعالى : "يا ايها الذين امنوا اذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الادبار" (الأنفال،16) ، و قوله تعالى : "يا ايها الذين امنوا اذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون" (الأنفال،46) .
أما التضييق عليهم في الطرقات فإنما يعني حصارهم عسكريا أو عدم تمكينهم من الهجوم عليكم أو الإضرار بكم، وحتى في هذا التوجيه هنالك رحمة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يعجزوا عن القتال لكي يسلموا من الأذى ومن الموت، لأنهم لو لم يستطيعوا التحرك بحرية فسيستلمون أو لن يتمكنوا من القتال بضراوة مما سيوقع بهم خسائر أكبر.

ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يلتقي باليهود والنصارى شبه يومية، وكانوا يزورونه ويلتقون به، وكان دائما يسلم عليهم ويسلمون عليه، ففهم الحديث على أنه المنع من السلام في كل حال يخالف الواقع والسنة العملية للنبي صلى الله عليه وسلم.

 


 

خطب الجمعة الأخيرة