السؤال: ما هي دلائل الطبية و العلومية على جثث الأنبياء لا تتعفن حسب حديث الرسول صل الله عليه و سلم ؟
القائلون بعدم تحلل أجساد الأنبياء إنما قالوا بذلك من منطلق الحديث وليس القرآن الكريم، حيث ورد { إنّ الله حرّم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء} (سنن الدارمي)، غير أنه جدير بالتنويه أن الحديث يتعارض مع أحاديث أخرى تؤكد سُّنةً عامة مقررة لبني آدم كقول النبي ﷺ : { كل ابن آدم يبلى ويأكله التراب إلا عجب الذنب..} مسند احمد
وفي رواية أخرى: { وليس من الإنسان شيء إلا يبلى إلا عظما واحدا وهو عجب الذنب} مسلم
كما نصت أحاديث أخرى على تحلل أجساد بعض الأنبياء كما قيل عن نقل عظام يوسف زمن موسى عليهما السلام :
{ إن موسى أراد أن يسير ببني إسرائيل فأضل عن الطريق ، فقال له علماء بني إسرائيل : نحن نحدثك أن يوسف أخذ علينا مواثيق الله أن لا نخرج من مصر حتى ننقل عظامه معنا . قال : وأيكم يدري أين قبر يوسف ؟ قالوا : ما تدري أين قبر يوسف إلا عجوز بني إسرائيل . فأرسل إليها ، فقال : دليني على قبر يوسف . فقالت : لا والله لا أفعل حتى أكون معك في الجنة . قال : " وكره رسول الله ما قالت فقيل له : أعطها حكمها فأعطاها حكمها فأتت بحيرة ، فقالت : أنضبوا هذا الماء . فلما نضبوه قالت : احفروا هاهنا . فلما حفروا إذا عظام يوسف ، فلما أقلوها من الأرض ، فإذا الطريق مثل ضوء النهار} (المستدرك على الصحيحين)
لقد استشكل على بعض المحدِّثين التوفيق بين هذه الأحاديث المتعارضة فحاول بعضهم ايجاد مخرج دون دليل جازم ومقنع يطمئن إليه البال، والحق أنّ الذي يطمئن إليه القلب والعقل وتؤكده السنن الطبيعية المشهودة التي هي فعل الله تعالى أنّ ظاهرة تحلل العناصر جزء من قانون الطبيعة العام الذي يسري على كل الكائنات وعليه فإن أجساد الأنبياء يقع عليها ما يسري على الأحياء كلها وفق قانون الله العام وكما نص بذلك القرآن الكريم في مواضع عدة كقوله تعالى: {وما جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام وما كانوا خالدين} الأنبياء:9 .. ومن جهة أخرى ورد في الأثر أنّ الله تعالى بعث 124000 نبي إذْ لو كانت أجسادهم لا تتحلل عناصرها ولا تبلى عظامها فلما لا يُعثر على عليها مع تقادم الأزمنة بهم حتى اليوم؟ .خلاصة القول إن الحديث ظني في دلالته مع مخالفته لأحاديث صريحة تؤكد تحلل الأجساد بعد مماتها واستحالتها عظاما.. غير أن حديث الدارمي أعلاه إذا جاز تأويله على المجاز وحملت ألفاظه على المشاكلة لإزالة التعارض فيكون معناه أن الأنبياء وسَمتُهم وسيرتهم وآثارهم لا تندثر في الأرض بطعن الطاعنين كما تندثر سِير من سواهم ممن هلكوا و أن الله تعالى {حرّم على الأرض} أي أهل الأرض ، {أن تأكل أجساد الأنبياء} أي بسوء الظن والطعن في ذواتهم وأعراضهم كما جاء في القرآن الكريم من تشنيع أكل لحم الانسان لأخيه الانسان غيبة : {أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ } (الحجرات:13) وكذلك ما اشتهر في الأثر في التحذير من أكل لحوم العلماء الربانيين {اعلم أن لحوم العلماء مسمومة، وأن عادة الله في هتك أستار منتقصيهم معلومة} فكيف لا يغار الله لأنبيائه وحرمة أعراضهم وهم أكرم خلقه وصفوتهم. وبذلك يزول التعارض .. والله تعالى أعلم.