loader
 

السؤال: السلام عليكم ورحمة الله. هل صحيح أن اجساد الانبياء لا يأكلها الدود بعد الموت ؟ وهل صحيح أن سيدنا يونس ابتلعه حوت حقيقي ؟ أم مجازي ؟ وكيف استطاع أن يعيش لأيام بدون اكسجين ومع حموضة المعدة. وجزاكم الله خيرا

هل تبلى أجساد الأنبياء؟

أجساد الأنبياء عليهم السلام كأجساد غيرهم يسري عليها لوازم الحياة والموت والبلى. وأما الأحاديث التي تنص على تحريم الأرض أكل اجسادهم فتتعارض في ظاهرها مع أحاديث أخرى متواترة تؤكد سُنّة الله التي قضاها في بني آدم عامة عند موتهم وقبرهم منها قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: 

{ كل ابن آدم يبلى ويأكله التراب إلا عجب الذنب..} مسند احمد

{ وليس من الإنسان شيء إلا يبلى إلا عظما واحدا وهو عجب الذنب} مسلم ومسند أحمد

 كما روي عن موسى عليه السلام نقله عظام النبي يوسف كما جاء في المستدرك على الصحيحين..

ولهذا أمكن القول بوجوب تأويل الحديث المتعارض مع آحاديث أخرى درءا للتضاد، ومعناه أن الله حرّم على أهل الأرض أكل لحوم الأنبياء انتقاصا من قدسيتهم بما قضاه تعالى إبقاء كيانهم المعنوي وسيرتهم الحسنة خالدة  إلى الأبد، ويأتي على رأس هؤلاء الأنبياء نبينا الأكرم محمد المصطفى صلى الله عليه وسلم الحي بفيوضه القدسية وسننه المباركة النورانية وأسوته الكاملة التي تمثل هدي كل النبيين.

-هل التقام الحوت للنبي يونس عليه السلام حقيقة أم مجاز؟:

لقد أخبر القرآن الكريم عن التقام الحوت ليونس عليه السلام بكل وضوح:

 {فَٱلۡتَقَمَهُ ٱلۡحُوتُ وَهُوَ مُلِیم* فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ * وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ } الصافات: 143


كما نجد أن هذه الحقيقة قد وردت في التوراة، وأشارت إليها الأناجيل.

{وَأَمَّا الرَّبُّ فَأَعَدَّ حُوتًا عَظِيمًا لِيَبْتَلِعَ يُونَانَ. فَكَانَ يُونَانُ فِي جَوْفِ الْحُوتِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ وَثَلاَثَ لَيَال.}يونان 17: 1

{فَصَلَّى يُونَانُ إِلَى الرَّبِّ إِلهِهِ مِنْ جَوْفِ الْحُوتِ}يونان 1: 2

فسمع الله تعالى تضرعاته ودعائه فنجّاه:

{وَأَمَرَ الرَّبُّ الْحُوتَ فَقَذَفَ يُونَانَ إِلَى الْبَرِّ }يونان 10: 2

كما أشارت الأناجيل إلى قصة مكثه في بطن الحوث ثلاثة أيام :

 {لأَنَّهُ كَمَا كَانَ يُونَانُ فِي بَطْنِ الْحُوتِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ وَثَلاَثَ لَيَال، هكَذَا يَكُونُ ابْنُ الإِنْسَانِ فِي قَلْب الأَرْضِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ وَثَلاَثَ لَيَال} (إنجيل متى 12: 38-40).

{جِيلٌ شِرِّيرٌ فَاسِقٌ يَلْتَمِسُ آيَةً، وَلاَ تُعْطَى لَهُ آيَةٌ إِلاَّ آيَةَ يُونَانَ النَّبِيِّ} (إنجيل متى 16: 4).

{هذَا الْجِيلُ شِرِّيرٌ. يَطْلُبُ آيَةً، وَلاَ تُعْطَى لَهُ آيَةٌ إِلاَّ آيَةُ يُونَانَ النَّبِيِّ.  لأَنَّهُ كَمَا كَانَ يُونَانُ آيَةً لأَهْلِ نينوى، كَذلِكَ يَكُونُ ابْنُ الإِنْسَانِ أَيْضًا لِهذَا الْجِيلِ}(إنجيل لوقا 11: 29، 30).

 

نعم القصة حقيقية وليست أسطورة أو مجازا حيث مكث سيدنا يونس عليه السلام بالفعل في بطن الحوت لبرهة محدودة من الوقت لا نعلمها من جهة الوحي، غير أنّ العناية الالهية أدركته في نهاية المطاف بسبب ذكره الله تعالى واستغفاره..وفي ذلك يقول الله تعالى:

{فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ * وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ } الصافات: 144-147

 ماذا قال الحكم العدل المسيح الموعود عليه الصلاة والسلام عن حادثة يونس وحيثياتها وحقيقتها؟

يقول عَلَيهِ السَلام ::

{والواضح أن يونس عَلَيهِ السَلام لم يمت في بطن الحوت، بل غايةُ ما حدث به في بطن الحوت هو الإغماء فقط. وإن كُتُبَ الله المقدّسة لتشهد على أن يونس  قد ظل، بفضل الله ورحمته، حيّاً في بطن الحوت، وخرج منه حيّاً أيضا؛ وقد آمن به قومه في نهاية المطاف}

(المسيح الناصري في الهند)

ووفق ما تقدّم فإنّ قصة التقام الحوت ليونس عليه السلام حقيقية ولا تخالف السنن الكونية ولا مستحيلة الوقوع. والزعم بتعذر الاكسجين في بطن الحوت غير دقيق إذ معلوم لدى علماء الأحياء أن هذه الحيتان الضخمة لها جهاز تنفسي فريد حيث تطفو على سطح الماء بين الفينة والأخرى للتروية الداخلية وإخراج ثاني أوكسيد الكربون من فتحة النّفث لتغوص من جديد ..ومثل هذه الواقعة التي حصلت مع يونس عليه السلام لها ما يشابهها كما تذكر التواريخ والأخبار والصحف عن أشخاص التقمهم الحوت وهم أحياء كقصة الصياد الأسباني الذي لبث في بطن حوت ثلاثة أيام (انسخ رابط الخبر):

https://www.deccanchronicle.com/lifestyle/viral-and-trending/050416/swallowed-alive-man-survives-inside-whale-s-stomach-for-three-days.html

 وكذلك وقائع مشابهة ترويها كتب المؤرخين كحادثة البالية البحرية الإنجليزية {وسترن ستار} التي ابتلع فيها حوت العنبر الضخم أحد ملاحتها في شهر فبراير شباط من عام 1891م وذلك عند رفله للسفينة ، إذ بعد التمكن من اصطياده وتشريحه وجدوا داخله الملاّح (م.بارطلي) حيث كانت تغطيه النُّخاعة منطويا على نفسه مع اختلاج وتشنّج بينما كان حيا وقلبه ما زال ينبض بضعف . وقد روى الملاح تجربته المريرة تلك بعد النجاة :

{ أتذكّر بالتمام أنه في الوقت الذي لمست الماء، وقعت رجلي على شيء ليّن، وما هي إلا لحظة حتى وجدت في جوف وردي اللون انغلق علي ثانية وأحسست بأني ممتص من رجلي إلى أسفل. وأدركت حينئذ بأن العنبر قد ابتلعني، واستمررت أنزلق وجسدي محاصر ومعصور من كل جانب بين حواجز لزجة كما لو كنت في المطاط غير أن المكان كان مظلما جدا وأحسست بوجع في رأسي ومن شدة الحرارة الخانقة وجدت صعوبة في التنفس والتهبت عيناي وأدركت بأنه حكم علي بالموت في جوف الوحش البحري وحاولت الصراخ لكن دون جدوى وأغمي علي..} مقتبس من كتيب (يونان أعجوبة البحر، النسخة الفرنسية ص8-11)

وعليه فقصة التقام الحوت لسيدنا يونس عليه السلام ثابتة في الكتب المقدسة وليس فيها تناقض مع العلم والسنن والتاريخ ، كما أنه لا معجز لقدرة الله تعالى ومعيته بأنبيائه عليهم السلام، وزعم استحالتها  تفنده أبسط الأمثلة والوقائع المشابهة لها مع الفارق والحمد لله رب العالمين.


 

خطب الجمعة الأخيرة