loader
 

السؤال: السلام عليكم و رحمة الله

المرجو توضيح موضوع رزية الخميس و صحة مسألة تفضيل علي رضي الله عنه على ابي بكر الصديق رضي الله عنه؟

وردت رواية ما يسمى رزية الخميس في الصحيحين بألفاظ مختلفة ومما أورده البخاري في ذلك عن  عبد الله ابن عباس رضي الله عنه:

 {لَمّا حُضِرَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ وفي البَيْتِ رِجالٌ، فقالَ النَّبيُّ ﷺ: هَلُمُّوا أكْتُبْ لَكُمْ كِتابًا لا تَضِلُّوا بَعْدَهُ، فقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ رَسولَ اللَّهِ ﷺ قدْ غَلَبَهُ الوَجَعُ، وعِنْدَكُمُ القُرْآنُ، حَسْبُنا كِتابُ اللَّهِ، فاخْتَلَفَ أهْلُ البَيْتِ واخْتَصَمُوا؛ فَمِنْهُمْ مَن يقولُ: قَرِّبُوا يَكْتُبْ لَكُمْ كِتابًا لا تَضِلُّوا بَعْدَهُ، ومِنْهُمْ مَن يقولُ غيرَ ذلكَ، فَلَمّا أكْثَرُوا اللَّغْوَ والِاخْتِلافَ، قالَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ: قُومُوا. قالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: فَكانَ يقولُ ابنُ عبّاسٍ: إنَّ الرَّزِيَّةَ كُلَّ الرَّزِيَّةِ، ما حالَ بيْنَ رَسولِ اللَّهِ ﷺ وبيْنَ أنْ يَكْتُبَ لهمْ ذلكَ الكِتابَ؛ لِاخْتِلافِهِمْ ولَغَطِهِمْ.}

لقد اتخذ بعض غلاة الشيعة هذه المرويات في كتب السنة مستندا لإثارة شبههم حول عدالة الصحابة رضي الله عنهم واتهامهم بعصيان أمر النبي ﷺ  والتنصيص على إمامة سيدنا علي رضي الله عنه من بعده .. ولتفنيد هذه الشبهة وفهم سياق الرواية نقول..

أولا: إن إيراد الإمام البخاري لهذه الرواية يجب أن يُحمل على الوجه الذي أوردها فيه ورجح لديه وهو باب مرض النبي ﷺ  .. وهذه الرواية على فرض صحتها كانت قبل وفاة النبي ﷺ  بأربعة أيام لما اشتد وجعه إذ لو كان الأمر توصية بالإمامة وما أُمر بتبلغيه لبلّغه لفظا لوجوب بلاغه عن الله تعالى..

ثانيا : توفي النبي صلى الله عليه وسلم في بيت السيدة عائشة بعد مضي أربعة أيام ، وكانت فاطمة تعوده في مرض وفاته فلماذا لم يسرلهما بشيء مما وجب الوصية به على فرض أهميته وفق ما يتوهمه الطاعنون في الصحابة؟ ..أما أنه يخفيه عنهما ولا يبديه ثم يحدّث فاطمة في موضوع آخر أقل أهميته منه بأنها أول أهل بيته لحاقا به وأن جبريل كان يعارضه القرآن مرتين، وأنه ليس من امرأة من نساء المسلمين أعظم ذرية منها. فدليل معتبر على بطلان تخرصات المبطلين..  

ثالثا: لقد أكمل النبي ﷺ  البلاغ عن الله تعالى واكتمل وحي التشريع الذي جاء به من الله تعالى وفق ما اعلنه في حجة الوداع واستشعر الصحابة دنو أجله الشريف... فكيف بكتاب هو أهدى سبيلا من القرآن الكريم يهدي من الضلال؟

رابعا: معلوم أن النبي لا يستخلف احدا من بعده تعيينا وإن رجح له ذلك بفراسته النورانية لأن هذا موكول إلى الله تعالى وحده الذي يقيم الخلفاء كما جاء ذلك في وعد الاستخلاف في سورة النور، وإذا تبصرنا هذه الحقائق كيف تحقق ذلك من خلال سلسلة الخلافة الراشدة وتراتبها. وإذا لم ينفّذ هذا الوعد الالهي بحسب سورة النور فيهم فلمن ينفّذ؟!. وإذا لم يكن فيهم مشمولا فبمن يكون؟.

خامسا:  لم يلق الصحابة وأهل البيت بالا وأهمية دينية تذكر لما جاء في رواية رزية الخميس ولو كانت القصة توصية بخلافة علي حقيقة لكانت حديث المسلمين في ذلك الوقت ومدعاة نقاشهم وتنازعهم وهو ما لم يحصل البتة ولم يبلغنا خبره.

سادسا : يمكن حمل اختلاف الصحابة فيما بينهم وفق ما جاء في الرواية الظنية على محمل  عدم إرادتهم إجهاد النبي ﷺ  في مرضه وأن ما همّ بكتابته لهم ليس واجبا مع وجود كتاب الله القرآن الكريم العاصم لهم من الضلال وهاديهم إلى سبيل الرشاد وبين من رأى إحضار الدواة للكتابة، فالاجتهاد والاختلاف في معرض هذا الموقف لا يوجب الطعن مع سلامة النية.

أما ما نسب إلى ابن عباس رضي الله عنه في وصف ذلك بالرزية فهو إدراج في الرواية كما ذكر المحدّثون كابن حجر في فتح الباري فضلا عن تفرد ابن عباس  عن جمهور الصحابة وآل البيت الذين لم يروا فيما حصل ما فيه رزية مع وجود كتاب الله القرآن الكريم وسنن رسولهم الكريم ﷺ  بين أيديهم .. والحق أن اجماع الصحابة السكوتي أبلغ حجة مما تفرد به ابن عباس وأحق بالاتباع عن غيره ..

والراجح  عند النظر في سياقات ومناسبات الروايات أن ما همّ به النبي ﷺ  لا علاقة له بوصية إمامة من بعده بل في موضوع آخر متعلق بإخراج المشركين من جزيرة العرب وإجازة الوفد بنحو ما كان يجيزهم في حياته الشريفة كما جاء من طرق أخرى في البخاري وفي السنن من حديث سعيد ابن جبير رضي الله عنه:

قال: حدثنا قبيصة حدثنا ابن عيينة عن سليمان الأحول عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال:

يوم الخميس وما يوم الخميس، ثم بكى حتى خضب دمعه الحصباء فقال: {اشتد برسول الله ﷺ وجعه يوم الخميس فقال: "ائتوني بكتاب أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده أبدا". فتنازعوا ولا ينبغي عند نبي تنازع، فقالوا: هجر رسول الله ﷺ؟ قال: "دعوني فالذي أنا فيه خير مما تدعونني إليه". وأوصى عند موته بثلاث: "أخرجوا المشركين من جزيرة العرب وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم". ونسيت الثالثة.

(أخرجه البخاري، في كتاب الجهاد والسير ،باب :هل يستشفع إلى أهل الذمة ومعاملتهم، ومسلم في كتاب الوصية، وسنن ابي داود في كتاب الخراج والامارة والفيء، ومسند أحمد)

وأما المفاضلة بين علي وأبو بكر الصديق رضي الله عنهما فلا توجب الطعن في أحدهما مع فضائلهما العظيمة،وقد تناول سيدنا المسيح الموعود عليه وعلى رسولنا الصلاة والسلام بتفصيل في كتابه الفريد "سر الخلافة" ذكر خصالهما ومناقبهما.. أما من حيث المقام فلا شك أن سيدنا أبا بكر الصديق رضي الله عنه هو أفضل الصحابة الكرام قاطبة لفضائله الجمة ورفقته للنبي ﷺ  قبل البعثة وبعدها والذي خصّه الله تعالى تشريفا بلقب {ثاني اثنين}. وفي أفضلية الصدّيق الأكبر رضي الله عنه يقول سيدنا المسيح الموعود عليه السلام:

 

{وعلمتُ أن الصدّيق أعظم شأنا وأرفع مكانا من جميع الصحابة، وهو الخليفة الأول بغير الاسترابة، وفيه نزلت آيات الخلافة، وإن كنتم زعمتم  يا عدا الثقافة أنّ مصداقها غيره بعد عصره فأتوا بفص خبره إن كنتم صادقين}  (سر الخلافة)

كما أنشد هذه الأبيات في أفضليته:

عليك بصحف الله يا طالب الهدى      لتنظر  أوصاف العتيق  المُطهّر

وما إنْ أرى في الصَّحب كلهم         كمثل  أبي  بكر   بقلبٍ  مُعطّر

تخيّرهُ الأصحابُ طوعاً لفضله           وللبحر  سلطان  على كل  جَعفر

ويُثني على الصدّيق ربٌّ مُهيمن      فما أنت يا مسكين إن كنت تزدري


 

خطب الجمعة الأخيرة