loader
 

السؤال: أنتم تقولون أن اعيسى توفى و حجتكم أن الله تعالى قال وأني متوفيك و تقولون أنه لم تأتي كلمه بعدها تغيير معاني عن الموت أريد أن أقول لكم أن يحي الموتى لم ـاتي كلمة بعدها تغيير معاناها فلماذا قلتم أن معناها يحي الإيمان بالقلوب

لأنه لا رجوع لأحد من الموت قبل يوم القيامة، وثانيا لأن الإحياء لله تعالى وحده وليس لأي مخلوق.
الأدلة على أن لا رجوع من الموت لأحد قبل يوم القيامة:
1- قال تعالى (فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى)
معنى الآية: مَن مات فإن الله يمسكه عن العودة إلى الحياة، ويرسل إلى الحياة مَن لم يقضِ عليها الموت.
2-وقال تعالى (لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ)
معنى الآية واضح في أنه لا موت إلا الموتة الأولى. ولو أحيى الله ميتا قبل القيامة، فإنه سيميته ميتة ثانية. وهذا نقض للآية.
3- وقال تعالى (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ)
الرجوع إلى الله بعد الموت. وهذا يعني أن أي ميت يرجع إلى الله فور وفاته.
قال الله تعالى (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ). وحين يرجع الميت إلى الله، فلا مجال للعودة، ولا سيما إذا دخل أحد بموته الجنة، كما حصل مع المسيح عليه السلام ، فلا يخرجه الله منها ولا يعيده إلى الدنيا ثانية، قال تعالى (لا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ).
4- وقال تعالى (قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ)؟ والجواب لا مجال لرجوع أحد؛ علمًا أن الميتة الأولى هي العدم والثانية هي الميتة المعروفة، والإحياء الأول هو التكوين في بطن الأم، والإحياء الثاني هو الإحياء من بعد الموت، أي أنه لم يبق أي مجال للقول إن هناك ميتة أخرى وإحياء آخر.
5- وقال تعالى (كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ).
لو كان الله سيحيي أحدا، فسيكون قد أحياه ثلاث مرات حتى يوم القيامة.. وهذا بخلاف الآية.
فهذه الآية تذكر أن موتا وحياة قد تحققا للناس وأنهم بانتظار الموت ثم الحياة الآخرة التي يرجعون فيها إلى الله تعالى.
6- وقال تعالى (وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ)
لو كان الله سيحيي ميتًا موتًا ماديًّا، فسيكون قد أحياه ثلاث مرات حتى يوم القيامة. وهذا بخلاف الآية.
7- وقال تعالى (أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ)
نص قاطع في عدم عودة القرون، وبالتالي عدم عودة أحد منها.
ولو فسر أحد هذه الآيات تفسيرا مخالفا، فنضع أمامه تفسير الرسول صلى الله عليه وسلم لها، فقد جاء في الحديث الشريف عن جَابِر بْن عَبْدِ اللـه يَقُولُ لَمَّا قُتِلَ عَبْدُ اللـه بْنُ عَمْرِو بْنِ حَرَامٍ يَوْمَ أُحُدٍ قَالَ رَسُولُ اللـه: يَا جَابِرُ، أَلا أُخْبِرُكَ مَا قَالَ اللـه عَزَّ وَجَلَّ لأبِيكَ؟ قُلْتُ بَلَى. قَالَ: مَا كَلَّمَ اللـه أَحَدًا إِلا مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ وَكَلَّمَ أَبَاكَ كِفَاحًا؛ فَقَالَ يَا عَبْدِي تَمَنَّ عَلَيَّ أُعْطِكَ. قَالَ يَا رَبِّ تُحْيِينِي فَأُقْتَلُ فِيكَ ثَانِيَةً. قَالَ: إِنـه سَبَقَ مِنِّي أَنـهمْ إِلَيْهَا لا يُرْجَعُونَ. قَالَ يَا رَبِّ فَأَبْلِغْ مَنْ وَرَائِي فَأَنـزلَ اللـه عَزَّ وَجَلَّ هَذِهِ الآيَةَ (وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللـه أَمْوَاتًا..) (سنن ابن ماجة، كتاب الجهاد، باب فضل الشهادة في سبيل اللـه).
ومن يرفض هذا التفسير نذكّره بقوله تعالى (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحكّموكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)، وقوله تعالى (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلا).
الإحياء من الموت المادي لله وحده:
الآيات السابقة كلها تنفي أن يحيي الله ميتا قبل يوم القيامة. أما أن يكون المحيي هو المسيح، فإن هناك أدلة أخرى تنفي ذلك، وليس هذه الآيات فقط، وأهمها أن الله وحده هو المحيي، وليست هذه الصفة لأحد من البشر. ولقد نبه الله تعالى بقوله (وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا) إلى أن هؤلاء الآلهة لو كانت تملك شيئًا من القدرة الإلهية لأنقذوا أنفسهم من الموت، والمسيح من أكبر من اتُّخذ إلها من دون الله، وهو لم يملك أن ينجي نفسه من الموت، فكيف يمكنه أن ينجي غيره؟!
والدليل الثاني قوله تعالى (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ).. فالله وحده خالق الموت، وليس غيره.
والدليل الثالث قوله تعالى (لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ)
والدليل الرابع قوله تعالى (هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ)
والدليل الخامس قوله تعالى لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آَبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ)
وهناك آيات عديدة تحمل المعنى نفسه.
آيات لا يختلف المفسرون في أنها تتحدث عن الإحياء الروحاني:
{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ} (الأنفال).. فلماذا يعتبرون إحياء المسيح يختلف عن إحياء سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم؟ بل إن إحياء سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم أقوى وأفضل من إحياء المسيح الذي خذله حواريوه حين أُلقي القبض عليه، بينما قاتل الصحابة عن يمين الرسول صلى الله عليه وسلم وعن يساره، وقالوا له: لو خضت بنا البحر لخضناه معك.
والدليل على أن الإحياء الذي يقوم به الأنبياء هو إحياء روحاني قوله تعالى (إنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ. وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآَيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ }. ويحسن أن ننقل تفسيرها كما جاء في التفسير الكبير للخليفة الثاني للمسيح الموعود عليه السلام ، حيث قال: "لقد قال الله تعالى من قبل لرسوله (إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ)، أما الآن فيبين أن من الناس من ينكر الحق مهما كان واضحًا بينًا، فكون هذا القرآن (الحق المبين) لا يعني بالضرورة أن الجميع سيقبلونه. (إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى).. أي لن تستطيع أن تُسمع الذين قد ماتت قلوبهم وخلت من خشية الله ومحبته. (وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ).. ولن تستطيع أن تُسمع الذين لا يقدرون على سماع شيء، ولا سبيل لهدايتهم خاصةً إذا ما ولّوا مدبرين عمن يكلّمهم، إذ لا يعودون قادرين على فهم إشارته أيضًا. (وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ).. أي لا تستطيع أن تنقذ من الضلال من هو أعمى ولا يريد أن يتبع البصيرة، إنما تستطيع أن تُسمع الحق وتشرحه لمن يؤمن بآيات الله، فهؤلاء هم الذين يدخلون في الإسلام في نهاية المطاف". (التفسير الكبير، تحت هذه الآية)
يتّضح من هذه الآية وغيرها من آيات عديدة أن القرآن الكريم يستخدم ألفاظًا مثل: موتى وعُمْي وصُمّ، للدلالة على الموت الروحاني والعمى الروحاني والصمم الروحاني. والسياق هو الذي يحدد المقصود. ولما كانت مهمة الأنبياء هي إحياء القوم روحانيا وليس إعادة الموتى من قبورهم، فقد وجب أن نفهم إحياء المسيح عليه السلام من هذا الباب.
إذًا، ثبت مما مضى أن الله نفسه لا يحيي أحدا من الموت قبل القيامة، وثبت أنه هو وحده المحيي، وثبت أن القرآن استخدم لفظ الموت بمعنى الموت الروحاني. ومن الثابت أن مهمة الأنبياء، بمن فيهم المسيح عليهم السلام، إحياء الموتى روحيا.


 

خطب الجمعة الأخيرة