loader
 

السؤال: الكل يعلم واولهم المسلمون ان القران جاء بعد المسيح بنحو ستة قرون ونصف , السوال هو كيف يريد المسلمون من المسيحيين ان يصدقوا ما ورد في القران من كلمات قليلة عن حادثة الصلب وهو البعيد اي القران عن الحادثة بنحو ستة قرون ونصف كما ذكرنا اعلاه ولا نصدق كلام الانجيليين اللذين كانوا شهودا للحادثة ودفعوا حياتهم ثمنا مقابل هذه الشهادة

أود أولا التأكيد أننا لا نقول بنظرية الشبيه التقليدية (أي القول بأن شبه المسيح قد وقع على يهوذا أو غيره)، ونقول إن هذه النظرية ليست قرآنية ولم ترد في أي حديث، حتى لو كان ضعيفا، وهي ليست عقيدة إسلامية، بل هي محاولة تفسيرية واهية متأثرة بالنظرية المسيحية وببعض أقوال الفرق المسيحية في وقت من الأوقات. وأهم نقطة لا بد من فهمهما أن ميل بعض المسلمين إلى تبني هذه النظرية ليس قائما إلا على حقيقة أن المسلمين جميعا متفقون أن المسيح لم يمت على الصليب بنص القرآن الصريح الواضح. ونحن في الجماعة الإسلامية الأحمدية نقدم قصة تتوافق مع القرآن الكريم ولا تتناقض حتى مع قصص الأناجيل، ولكنها تحرر الأناجيل من الخرافة والوهم والخيال.

ولا بد من الانتباه أيضا أن القرآن الكريم وحي الله تعالى المباشر إلى رسوله صلى الله عليه وسلم، وما تضمنه من معلومات موجزة حول الصلب ليس شهادة النبي صلى الله عليه وسلم، بل هي شهادة الله تعالى العالِم بحقائق الأمور التي قد اشتبهت على الشهود في ذلك الوقت. أما الأناجيل فهي روايات مرسلة (غير متصلة بإسناد معروف) لقصة المسيح عليه السلام في الفترة قبل الصلب وبعده، وإذا افترضنا قدرا كبيرا من دقة النقل لما ورد من أحداث، فلا يمكن أن نتوقع من الأناجيل أن تقدم أكثر من شهادة شهود تتعلق بما شاهدوه وقد لا يكونون قد تحققوا منه، كماقد يشوبها الوهم والعاطفة والخيال، وقد تتأثر بفكرة تسيطر عليها.

ونود أن نشير هنا إلى أن المنهج الذي نتبعه لا يقوم على رفض الشهادات الإنجيلية جملة وتفصيلا، بل على العكس، نحن نستفيد من هذه الشهادة ونوفق بينها وبين شهادة الله تعالى في القرآن الكريم. ونؤكد أن الحقيقة التي أعلنها الله في القرآن الكريم موجودة في الأناجيل بقوة، بينما فكرة موت المسيح على الصليب هي الفكرة الواهية التي لا تدعمها رواية الأناجيل لمن قرأها بحيادية وبعقل وقلب مفتوحين. أما ورود بعض العبارات كمثل "أسلم الروح" و"رأوه قد مات" وغير ذلك فهي تفيد أن الرواية تأثرت بفكرة موته على الصليب بلا شك، ولكن الرواية التي سجلت حياته ونشاطه وتخفيه ولقاءه بتلاميذه بعد حادثة الصليب وهو ما زال في صورة إنسانية، وكانت لا زالت عليه آثار الجروح والآلام وكان يحتاج إلى الأكل والشرب، لا يمكن أن تنسجم مع بعضها البعض إلا بأحد الوجهين؛ أما أن نسلِّم أنه قد نجا بالفعل (وهو ما نقول به)، أو تحويل القصة إلى الخرافة والخيال، والقول أنه قد قام من الموت وأنه قد أصبح لاهوتا أو ما شابه (وهو الرأي المسيحي) وما ترتب على ذلك من تناقضات وإشكالات ما زالت المسيحية غارقة فيها وتحاول جاهدة تبريرها دون جدوى.

إن شهادة القرآن الكريم جاءت لتؤكد النجاة الطبيعية وجاءت لكي تستبعد الوجه الخرافي المتهافت المتناقض الذي يميل المسيحيون إلى تفسير قصة الأناجيل بناءًا عليه. وبهذا فإن الشهادة التي قدمها الله تعالى بوحيه في القرآن الكريم تضع كل الأمور في نصابها وتزيل أي نوع من الشبهات حول المسيح وحول ميتته اللعينة بتعليقه على الخشبة (وفقا للعهد القديم) التي حاول المسيحيون تبريرها بالقول أن اللعنة قد وقعت فعلا ولكن كانت لتبرئة البشرية من خطاياها!

أما ما ورد في رسائل بولس وغيرها من الرسائل في العهد الجديد من تأكيدات على موت المسيح على الصليب فهذا بسبب أن هذه الفكرة قد استولت على بولس أيضا وكان من المتوهمين بها. ولا بد من الانتباه إلى أنه قد كتب رسائله قبل أن تكتب الأناجيل، لذلك فمن الواضح أنه لا يعلم كثيرا عما تضمنته هذه الشهادة من حقائق ووقائع، ولذلك فالقارئ للعهد الجديد سيجد كثيرا من التناقضات بين الأناجيل وبين رسائله؛ ليس في المعلومات فقط، بل في الأوامر التي أمر بها المسيح ونقلت في الأناجيل وما أمر به بولس مما يخالفها.

وسأقدم مثالا بسيطا لتبيان تهافت التفسير المسيحي للوقائع التي سُجلت في الأناجيل. فلنفترض أن مجموعة من الناس رأت شخصا أطلق النار على شخص آخر وأصابه بعدة طلقات، ثم سقط المصاب على الأرض في حالة يرثى لها، وأخذوه إلى المستشفى، ثم وصل خبر بأنه قد مات هناك وأنه دفن فيما بعد. فإذا رأى نفس هؤلاء الناس ذلك المصاب يسير في الشارع بعد أيام وما زال الوهن عليه ظاهرا من آثار إصابته بإطلاق النار، وما زالت جروحه لم تلتئم بشكل كامل بعد، فماذا سيستخلصون؟ سيستخلصون بلا شك أن خبر موته ودفنه كان خبرا كاذبا، وأنه قد نجا من الموت، ولن يتبادر لذهن أحد عاقل أنه قد مات ثم عاد إلى الحياة مرة أخرى! وفيما لو أفادوا قبل مشاهدته يسير على رجليه في الشارع أنه قد قتل فعلا فلا يمكن اعتبارهم كاذبين، بل هذه هي حدود الشهادة وفقا لعلمهم وقدراتهم، لأنهم رأوا الرصاص يخترق جسمه ورأوه يسقط على الأرض ثم سمعوا بأنه دفن.، ولكن ظهوره يجعل خبر وفاته نتيجة لإطلاق النار خبرا كاذبا تلقائيا. وبقياس ذلك على القصص الإنجيلية نرى أن الموضوع لا يتعدى ذلك!

إن قوة الحقائق في القصص الإنجيلية جعلت مسألة نجاة المسيح من الصليب وانتقاله إلى مكان آخر وعيشه فيه حياة طبيعية كإنسان هي مسألة متجذرة في ضمير المسيحيين في العالم. ولا زال الجدل دائرا منذ فجر المسيحية حتى هذا الوقت حول هذه النقطة، ولا زال العقلانيون يميلون إلى التأكيد على فكرة النجاة. وما ظهور روايات كمثل "شيفرة دافنشي" مؤخرا وغيرها من الروايات والقصص إلا تأكيدا على أن الفكرة الخيالية التي تصر عليها المسيحية حول قصة القيامة بعد الموت ومسألة الناسوت واللاهوت وغيرها من التعقيدات المرتبطة بذلك، لا تحظى بقبول عند العقلاء البعيدين عن الخرافة.

وكما ذكرنا سابقا، فمقابل تأكيد القصة الإنجيلية على حقيقة أن المسيح قد نجا من الموت على الصليب وأن له حياة طبيعية بعد حادثة الصلب بكل بساطة، فقد جاءت شهادة القرآن الكريم لتؤكد هذه الحقيقة ببيان واضح صريح دون خوض في تفاصيل القصة. وهكذا فقد جاء القرآن الكريم ليحكم للوجه العقلاني من التفسير لقصة الأناجيل ولم يأت معارضا لها. وهذا هو منهج القرآن المنزل من عند الله والمهيمن على كل ما بين يديه من الكتب والأخبار.
تميم أبو دقة


 

خطب الجمعة الأخيرة