loader
 

السؤال: السلام عليكم شيخنا الفاضل. كيف تفسرون قصة سيدنا الخضر عليه السلام؟ وهل هناك حكمة من قتل الغلام قبل ان يرتكب الإثم في حق والديه؟ جزاكم الله خيرا

يقول تعالى (حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلاَمًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا) (الكهف: 75)

 

جاء في كلام المُصْلِحُ المَوْعود رَضِيَ اللهُ عَنْهُ حول تفسير هذه الآية وموضوع الخضر وقتل الغلام ما يلي:

 

"لا يمكن أن تؤخذ حادثة “قتل نفس بغير نفس” من حيث الظاهر، لأن العبد الذي تبعه موسى ؏ ليتعلم منه إما أن يكون نبيًّا أو وليًّا مقرَّبًا لدى الله تعالى. ولا يمكن أن يجترئ على قتل نفس بغير نفس حتى المؤمنُ العادي، فهل يرتكبه وليٌّ مقرّب أو نبيٌّ عظيم الشأن.

 

يقول البعض لإثبات جواز قتل الغلام أنه لو عاش لكان قتّالاً وسفّاكًا. ولكنا نقول: إنه من الظلم العظيم ومما ينافي الشرعَ تمامًا أن يعاقَبُ شخص على جنايةٍٍ لم يرتكبها بحجة أن الله تعالى كان يعلم أنه سيرتكبها في المستقبل؟ لو كان مثل هذا العقاب جائزًا فلماذا لا يعاقب الله تعالى عباده قبل ارتكابهم الجرائم لمجرد علمه أنهم سيرتكبونها؟ إن القانون الأساسي في الشرع هو أن لا يعاقَب أحدٌ على إثم قبل ارتكابه، وإن جميع الشرائع على اختلافها متفقة على هذا الأصل.

 

وقد قال البعض إن ذلك الغلام كان يقتل بالفعل خفيةً ولكن لم يظهر على أمره أحد (زاد المسير لابن الجوزي). ولكنه قولٌ سخيف، إذ لو كان الأمر كذلك لذكره القرآن المجيد ليعلَم الناس ويطمئنوا بأن قتل الغلام لم يكن بلا سبب.

 

... وعندي أن قتل الغلام هنا يناظر المنظرَ الثاني الذي رآه رسول الله ﷺ في إسرائه شكلاً ومضمونًا. لقد رأى رسول الله ﷺ في إسرائه أن رجلاً يناديه من ورائه ولكنه ﷺ لم يجبه؛ ثم عُرض عليه ﷺ كأس الخمر، ولكنه أبى أن يشربها. وقد عبر جبريل الرجلَ بالشيطان، وعبّر كأسَ الخمر بالغواية التي هي من عمل الشيطان. وكان المنظر الثاني في إسراء موسى ؏ أنه رأى غلامًا قتَله العبدُ الصالح أي الجمالُ المحمدي. وإذا رجعنا إلى كتب تعبير الرؤيا وجدناها تقول إن رؤية الشاب في المنام تدل -فيما تدل- على الحركة والقوة وغلبة الجهل (تعطير الأنام). والحق أن هذه الأُمور الثلاثة -أي القوة والرغبة في اللهو والجهل الشديد بالعلم الروحاني- إذا اجتمعت في شخص اتبع خطوات الشيطان.

 

وكان في منظر قتلِ الغلام واعتراضِ موسى على قتله إشارةٌ إلى التعليم الإسلامي الثاني الذي يحرّم الخمر وينهى عن اللغو واللهو، والذي يعترض عليه أتباع السلسلة الموسوية، وخاصة النصارى منهم -وقد ذكرتُ سابقًا أن فتى موسى هو المسيح، وأن أُمّة موسى الموجودة عند مجمع البحرين هي أتباع المسيح، وإن كان اليهود يندرجون فيها ولكن بدرجة أقلَّ- لقد أخبر الله تعالى بذلك أن هؤلاء سيعترضون على الإسلام بأنه يقتل الشباب أي يحرم الإنسان من التمتع بملذات الحياة، ويرون أن هذا ظلم عظيم، معتبرين أن الله تعالى قد منحه هذه القوى لكي يتلذذ بها، لا أن يهدرها ويهلكها.

 

وبالفعل تجدون المسيحيين يكرهون الإسلام عمومًا لأنه منعهم عن الإتيان بمثل هذه الأعمال الشيطانية ويظنون أن الإسلام قد قتل الشباب جراء هذا التعليم. هذه الآية أيضًا تدل على أن هذه الواقعة كانت كشفًا لأن قتل أحدٍ في حالة اليقظة من دون سببٍ حرامٌ قطعًا.

 

وكان فيه أيضًا رسالة إلى أن اليهود والنصارى سينقضون المعاهدات التي ستتم بينهم وبين المسلمين مرة بعد أُخرى، وتغلب عليهم عداوة الإسلام التي تمكنت من قلوبهم.

 

... وقولـه تعالى (خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا) (الكهف: 82) فاعلم أن الزكاة تعني الطهارة والنماء، وأن الرُّحم هو الرِّقة والتلطف (الأقرب). فالآية تعني أن الولد الجديد سيكون برًّا بهما ومطيعًا لهما وسببًا لرقيهما وطهارتهما. بمعنى أن القوى الإنسانيةَ غير المكبوحة إذا قُتلتْ بحُسام الشرع وكُبِّلتْ حُرّيتُها الهمجية بقيود الأحكام الإلهية، استجابت لأوامر الجسم والروح وساعدت على تطورهما وطهارتهما.

 

ولكن الأُمة الموسوية -كما ذكرتُ من قبل- لم تستوعب هذا الأمر، بل انغمست في اللهو والملذات والخلاعة والمجون، ولأجل ذلك نشاهد في أعمالهم سرعةً، وفي قواهم حِدّةً، وفي سلوكهم تجاسرًا؛ ومن جانب آخر تزيدهم هذه القوى طغيانًا وكفرًا، وتنحرف بهم عن الخير والتقوى، ولا تميل طبائعهم إلى قبول ما يمليه الدينُ والعقل اللذان يمثِّلان الروحَ والجسدَ." (بتصرف من التفسير الكبير)


 

خطب الجمعة الأخيرة