loader
 

السؤال: عندي تساؤل أطرحه بنيّة صادقة للفهم والتدبر: نحن كبشر لم نختر أن نُوجد في هذه الحياة، ولم يكن لنا رأي في الدخول إلى هذا الابتلاء الدنيوي. فلماذا إذًا يختبرنا الله، رغم أننا لم نطلب هذا الامتحان أصلاً؟

هذا السؤال نوع من العبث العقلي الذي يغري البعض أحيانا. فالتخيير لا يمكن إلا بعد الخلق والوعي، فكيف يمكن أن يخيّر الله المخلوق قبل خلقه؟
ثم إن الخلق نعمة عظيمة بحد ذاتها تستحق الشكر، فالأجدر أن يفكر الإنسان في أداء حق هذه النعمة، وفي سلك المسالك التي يمكن أن يفوز بها الإنسان ويحقق الهدف من خلقه.

وقد خلق الله تعالى الإنسان بفضله ورحمانيته حتى يعرفه ويتحقّق بصفاته ويكون مظهرا لها،ورد في الأثر : {كُنْتُ كَنْزًا مَخْفِيًا فَأَحْبَبْتُ أَنْ أُعْرَفَ، فَخَلَقْتُ الْخَلْقَ لِأُعْرَفَْ}  (اللآلئ المنثورة، للزركشي)

 والابتلاء الدنيوي غاية الخلق للاجتباء والاختبار وحتى تنكشف حقيقة الكفاءات الباطنية واستعداداتها العملية والجزاء عليها كما يقول الله تعالى :

{وَهُوَ ٱلَّذِی خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَ ٰ⁠تِ وَٱلۡأَرۡضَ فِی سِتَّةِ أَیَّامࣲ وَكَانَ عَرۡشُهُۥ عَلَى ٱلۡمَاۤءِ لِیَبۡلُوَكُمۡ أَیُّكُمۡ أَحۡسَنُ عَمَلࣰاۗ وَلَىِٕن قُلۡتَ إِنَّكُم مَّبۡعُوثُونَ مِنۢ بَعۡدِ ٱلۡمَوۡتِ لَیَقُولَنَّ ٱلَّذِینَ كَفَرُوۤا۟ إِنۡ هَـٰذَاۤ إِلَّا سِحۡرࣱ مُّبِين} هود:8

 وحتى تتكشف كفاءة الايمان الحقيقي من أدعيائه كانت سنة الابتلاء ضرورية للتمييز بين الناس كما تشيرالآية: {أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ} (العنكبوت:3) .ومما ذكره سيدنا الامام المهدي والمسيح الموعود عليه سلام الله عن منافع الابتلاءات ومقصدها في حياة المؤمن ورقيه الروحاني قوله:

 

{الحق أن الابتلاءات تكون مدعاة لنزول رحمة عظيمة، حيث تضطرّ فيها العبودية للانقطاع عما كل ما سوى الله تعالى وتتوجه إلى الله الذي هو وحده مسبّب الأسباب، هذا من جهة، ومن ناحية أخرى تأتي الألوهية بجنود من الأفضال لإنزال السكينة على العبودية.} (الملفوظات ج2)

ويقول حضرته أيضا :{عندما يجذب الله أحدا إليه وعندما يأتي أحد إلى الله فلا بد له أن يأتيه مرورا بالابتلاءات الدنيا وعلاقاتها آنية وفانية، ولكن العلاقة مع الله تعالى دائمة وأبدية، فلماذا يفسد المرء علاقته معه ؟ هل واجه الصحابة ابتلاءات بسيطة؟ لقد اضطروا لترك أوطانهم وأموالهم وأقاربهم كلهم ولكنهم لم يحسبوا هذه الأشياء تساوي حتى ذبابة ميتة في سبيل الله، بل حسبوا الله كافيا لهم. ثم انظروا كيف قدّرهم الله وأكرمهم إذ لم يخسروا في هذا السبيل شيئا، بل نالوا في الدنيا وفي الأخرى فائدة لم يكن ممكنا أن ينالوها بغيره . لذا يجب على المرء ألا يقلق نتيجة الابتلاء، لأنه يكون وسيلة لتقوية إيمان المؤمنين، لأن في ذلك الوقت تتولد الخشية والتواضع في الروح والحرقة في القلب التي بها يتوب إلى الله تعالى فيذوب ويسيل على عتباته كالماء المرء يستمتع نتيجة الإيمان الكامل في أيام الهم والغم فاهتموا بإصلاح أعمالكم في هذا الوقت} (الملفوظات ج7)

 


 

خطب الجمعة الأخيرة