السؤال: سؤالي هو حول رد الجماعة الإسلامية الأحمدية على سؤال احد الاخوة الذي سأل بخصوص التعدد فكان الرد لا يختلف عن ما هو جاري عند اهل السنه والجماعه لكن كنت اتوقع ان الجماعة ستتطرق الى ماهو اهم بخصوص ترخيص التعدد المشروط في الآية الكريمة وإدارة الشرط هي ان خفتم ان لا تقسطوا في اليتامى لكن مع الاسف في ردكم لم تتكلوا عن اليتامى وحقوقهم في هذا التعدد بل تطرقتم فقط الى حقوق الزوجات لكن ما أراه انا هو التعدد لم يرخصه الله الا لحل مشكل اليتامى وليس لشيء اخر والا اذكره وشكرا جزيلا اتمنى ان تقبلو استفساري
لا ينبغي أن يطلب المرء جوابا يتواءم مع هواه، بل يجب أن يكون مستعدا لقبول الحق ومتفهما له. فكثير من الأفكار التي قد تحلو للبعض تتضمن جوانب سيئة أو ناقصة لا تخطر على البال. فالحسن هو ما يحسنه الله تعالى في شريعته وليس ما يستحسنه عقل الإنسان أو أفكاره التي هي أصلا مكتسبه، فلماذا لا يكتسب ما هو أفضل ويتبع ما هو أحسن؟
ردنا كان مستندا إلى حجية القرآن الكريم وبيان الحكم العدل المسيح الموعود عليه الصلاة والسلام الذي بيّن مقاصد التعدد وذرائعه الشرعية ردا على خصوم الاسلام، وقولكم بحصر التعدد في اليتامى فقط هو تضييق لشريعة كاملة وكأن الشريعة لم توجد حلا عند تعذر المعاشرة بين المرء وزوجه لعلة المرض وغيرها من الاختلالات والنوازل الطارئة التي يحققها التعدد في حماية المجتمع وصون عفته عند دواعيه..!؟ ومع أن موضوع التعدد قد ورد في سياق اليتامى في الآية الكريمة كما ذكرتم غير أن رخصته غير محصورة في هذه الحالة والفئة الاجتماعية فقط حيث يشرح سيدنا الخليفة الثاني رضي الله عنه الموضوع تفصيلا في تفسبر الآية 3 من سورة النساء:
{ تعود أهمية هذه الآية إلى أنها تبيح تعدد الزوجات في بعض الظروف الخاصة. فالإسلام يسمح للرجل، بدون أي إلزام له، أن يتزوج بأكثر من زوجة بحد أقصى أربع زوجات في وقت واحد. ولما كان الإذن بالتعدد قد جاء في ظل موضوع اليتامى، فينبغي أن يؤخذ على أن هدفه في المقام الأول هو الاهتمام بهذه الفئة من المجتمع، التي يمكن أن ينالها الإهمال وعدم الاهتمام. وهناك بعض الحالات التي يمكن بها الحفاظ على حقوق اليتامى والعناية بهم عندما يتم الزواج من بعض هؤلاء اليتامى أو من بعض النساء الأخريات، حسب ما تقضي به الظروف أو تتطلبه المناسبات. ويمكن أن يحدث هذا في إحدى الحالات التالية:
(1) قد يقتضي الأمر من شخص ما أن يكون وصيّا على بعض اليتامى ومن بينهم بعض الفتيات، بينما يكون هو نفسه أعزب ويخشى على نفسه أن يقع تحت تأثير الفتنة. وفي هذه الحالة يكون مسموحا له أن يتزوج واحدة أو أكثر من هؤلاء الفتيات حسب ما يكون الحال، وبذلك يصون نفسه من الوقوع في الرذيلة، أو خيانة الأمانة وسوء التصرف تجاه الفتيات اللاتي يشرف عليهن.
(2) أن يكون متزوّجا، ولكن زوجته لا تحسن معاملة اليتامى. وفي هذه الحالة يكون مسموحا له أن يتزوج من إحدى هؤلاء اليتامى، حتى يكون لهن دار خاصة بهن، ومكان طيب مناسب لهن يعشن فيه.
(3) قد يحدث أحيانا أن يكون الرجل مسؤولا عن بعض أقاربه الصغار، مثل بعض إخوته أو أخواته، بينما لا يستطيع هو ولا زوجته أن يقوما على رعاية هؤلاء الصغار حق الرعاية. وفي هذه الحال يكون له أن يتزوّج من امرأة ناضجة العمر أو كبيرة السن، يمكن أن تعامل هؤلاء الصغار كأبنائها. وقد سجل التاريخ حالة مشابهة لهذه الظروف عندما تزوج جابر بن عبد الله، وهو أحد صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم وكان حديث السن، من أرملة كبيرة السن. فلما سأله الرسول صلى الله عليه وسلم عن سبب عدم زواجه من فتاة حديثة السن مثله، أجاب جابر بأنه فعل هذا حتى تعتني زوجته بإخوته وأخواته الصغار الذين أصابهم اليتم بعد وفاة أبيه. وقد سُرّ الرسول صلى الله عليه وسلم بعمل جابر ودعا له (البخاري، كتاب البيوع).
(4) إذا خشي الرجل ألا يُحسن معاملة اليتامى الغرباء عنه، فله أن يتزوج فتاة من بينهم حتى يقيم رابطة من القربى بينه وبين أولئك اليتامى.
(5) إذا وجد المرء نفسه مسؤولا عن عدد كبير من اليتامى، وأحس أنه لا يستطيع أن يقوم بواجب العدل تجاههم بغير أن يتزوج بأكثر من زوجة لتعينه على العناية بهم، فله أن يفعل ذلك، بشرط ألا يتجاوز الحد الأقصى وهو أربع زوجات.
وقوله تعالى ]مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ[ يعني أن الرقم الأخير هو الحد الأقصى لعدد الزوجات المسموح به.
وقد رُوي أنه بعد نزول هذه الآية، أمر الرسول صلى الله عليه وسلم أصحابه الذين كانوا قد جمعوا أكثر من أربع زوجات أن يبقوا على أربع فقط، وأن يطلقوا الباقيات، وذلك حتى لا يزيد عدد الزوجات عن الحد الأقصى المسموح به (الترمذي، كتاب النكاح).
ولعله من المفيد هنا أن نذكر كلمة عامة عن موضوع تعدد الزوجات. فرغم أن الآية تذكر موضوع التعدد مع ذكر موضوع اليتامى، إلا أن هناك من الظروف ما يجعل من التعدد علاجا لكثير من الحالات التي تؤدي إلى الفساد الأخلاقي والاجتماعي.
فإذا أخذنا في الاعتبار أغراض الزواج وحدها، يتبين أن القرآن الكريم ليس محقا فقط في السماح بالتعدد، بل أحيانا وفي بعض الظروف يكون التعدد مفيدا بل وضروريا. لا، بل في بعض الأحيان يكون من الضرر الشديد بمصلحة الأفراد والمجتمع ألا يُستَفاد من السماح بالتعدد. فحسب ما يقرره القرآن المجيد، نجد أن أغراض الزواج أربعة هي:
(1) حفظ النفس من الأمراض الجسمانية والأخلاقية والروحية؛
(2) سكون النفس ووجود الرفيق المحب؛
(3) حماية الأطفال؛
(4) توسيع دائرة صلات الإنسان.
ويقول القرآن المجيد عن الغرض الأول للزواج ]وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَآءَ ذَلِكُمْ (أي الحالات التي جاء ذكرها في الآيات السابقة) أَن تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُّحْصِنِينَ (أي تُحصنوا أنفسكم من خطر تأثير الغريزة الجنسية) غَيْرَ مُسَافِحِينَ[ (أي بغير الانغماس في إشباع الشهوات) (النساء:25). وكلمة ]مُحْصِنِينَ[ التي جاءت في الآية المذكورة مشتقة من كلمة "إحصان" التي تعني طلب الحماية من هجمات الأعداء بالدخول إلى الحصن. وعلى هذا، فالإسلام يعتبر الزواج نوعا من الحصن الذي يتحصّن فيه المرء، أو وسيلة للحماية من الأمراض الأخلاقية والروحية. ويضيف القرآن المجيد أيضا فيما يختص بهذا الغرض من الزواج قوله تعالى ]هُنَّ (أي زوجاتكم) لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ[ (البقرة:88). ولباس المرء يؤدي أغراضا ثلاثة:
(1) إنه يحميه من تقلبات الجو؛
(2) إنه يُستخدم وسيلة للزينة والوقار؛
(3) إنه يغطي سوءات الإنسان ويخفي ما يمكن أن يكون في جسمه من عيوب.
ويقول القرآن المجيد عن الغرض الثاني للزواج: ]وَمِنْ ءَايَاتِهِ أَن خَلَقَ لَكُمْ مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً[ (الروم:22). بينما يقول عن الغرض الثالث للزواج: ]نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ[ (البقرة:224).
ويستطيع كل إنسان أن يرى بسهولة الآن أن أحد أو بعض أغراض الزواج هذه قد لا يتحقق أحيانا مع زوجة واحدة فقط، وهي مرة أخرى: (1) صيانة النفس من الأمراض الجسدية والأخلاقية والروحية؛ (2) تحقيق النسل والحفاظ على استمرار وجود الجنس البشري؛ (3) وجود الرفيق المحب في رحلة الحياة الطويلة؛ (4) توسيع دائرة الروابط والصلات العائلية.
فمن الحقائق التي لا يمكن إنكارها أن القوة الجنسية لدى بعض الرجال تكون أقوى وأشد من أن تلبّيها زوجة واحدة فقط. فهذه ضرورة جسدية موجودة في الرجل، والتهوين من شأنها وخطرها يعتبر لعبا بالنار، حيث إنها من أشد الغرائز الجسمانية تأثيرا على النفس. والمجال الوحيد المعقول والمناسب أمام الرجل الذي أوتي قوة جنسية عالية بشكل غير عادي أن يتزوج من امرأة أخرى، إذا لم تستطع الزوجة الواحدة أن تلبي حاجته. وقد تكون مثل هذه الحالات قليلة الوجود، ولكن لا يمكن إغفال وجودها أو إنكارها بالمرة. والشريعة الكاملة، كما هو الحال في الإسلام، يجب أن تلبي المتطلبات المادية والروحية لجميع أنواع البشر. كذلك إذا حدث أن أصاب الزوجة مرض يمكن أن ينتقل إلى زوجها أو يعطل قدرتها على المعاشرة الزوجية تعطيلا دائما، فحينئذ ينهار أحد أهداف الزواج، إن لم يتمكن مثل هذا الزوج من الزواج من امرأة أخرى. ولن يكون أمام هذا الرجل سوى أحد خيارين، إما أن يتخذ زوجة أخرى بطريق شرعي، وإما أن يقع في الإثم وحياة الرذيلة إن لم ينجح في مقاومة متطلبات جسده. كذلك فإن الزوجة المريضة لا تستطيع أن تكون رفيقا في الحياة، لأنها مهما كانت ومهما كان ما تستحقه من إعزاز وشفقة، فإن صحبتها لا تخلق في نفس زوجها السكينة المنشودة. وفي الحالة الثالثة، إذا كانت الزوجة عاقرا، وكانت لدى الزوج رغبة قوية في أن يكون له ذرية تخلفه وتحيي ذكراه، فإن هذه الرغبة سوف تظل دون تحقيق، إن لم يكن مسموح له بتعدد الزواج.
ومن أجل تحقيق جميع هذه المطالب، سمح الإسلام بتعدد الزوجات. وإذا حدث في أي من هذه الحالات أن طلق الرجل زوجته الأولى، فسوف يكون هذا العمل سببا لوصمه بالخزي والعار. فمثلا في حالة الزوجة المريضة، لا يعني تصرفه هذا سوى أنه عاش مع تلك الزوجة طالما كانت سليمة طيبة، ولكنه تخلى عنها وهجرها وهي في أشد الأوقات حاجة إلى عنايته وحمايته. إن التصرف الشريف في هذه الحالة هو أن يستمر في عنايته بزوجته المريضة وكفالتها والسهر على مطالبها وسد حوائجها بكل حنان وشفقة، ثم يتزوج من امرأة أخرى يمكن أن تؤدي مطالب الحياة التي من المفروض أن تقوم بها الزوجة.
من هذا يتبين أن أهداف التعدد، هي إلى حد ما، نفس أهداف الزواج الواحد. فإذا حدث أن استحال تحقيق أحد أو جميع أغراض الزواج من زوجة واحدة، يكون تعدد الزواج ضرورة ومسموحا به.
وأحيانا تكون هناك أيضا بعض الأسباب التي تضطر المرء إلى اتخاذ زوجة أخرى أو أكثر، بالإضافة إلى الزوجة التي يحبها بإعزاز وتحقق له جميع أغراض الزواج وأهدافه. وتتلخص هذه الأسباب فيما يلي: (أ) من أجل حماية ورعاية اليتامى؛ (ب) لتوفير الأزواج للأرامل اللاتي لا يزلن في سن الزواج؛ (ج) من أجل العمل على زيادة النسل في بعض العائلات والمجتمعات.
ومن الواضح الجلي في الآية التي نحن بصددها أن السماح بالزواج بأكثر من واحدة، قد جاء على وجه الخصوص من أجل حماية اليتامى الذين تُركوا بغير عائل، إذ تقول الآية بجلاء ]فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تُقْسِطُوا في الْيَتَامَى (الذين هم في حمايتكم وتحت مسؤوليتكم) فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ النِّسَآءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ، فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تَعْدِلُوا (بين زوجاتكم) فَوَاحِدَةٌ[. وتومئ الآية إلى أنه من الأوفق أن يتزوج المرء من أولئك اليتامى الذين يكون الرجل مسؤولا عنهم، وبذلك يكون الرجل مرتبطا بهم ارتباطا مباشرا، فيهتم بأمرهم ويسهر على راحتهم أكثر مما إذا كان يرعاهم عن بُعد، أو من مكان بعيد عن معايشتهم.
ويقول القرآن الحكيم أيضا ]وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنكُمْ[ (النور: 33) أي تزوجوا الأرامل منكم، فإن توفير الأزواج من الرجال للأرامل من النساء هو غرض آخر من الأغراض التي يحققها مبدأ التعدد. لقد كان المسلمون في قتال مستمر في زمن الرسول صلى الله لعيه وسلم، وقد سقط الكثيرون منهم في ساحة الوغى تاركين خلفهم العديد من الأرامل واليتامى دون أن يكون لهم عائل من ذوي قرباهم. وزيادة عدد النساء عن عدد الرجال، مع وجود أعداد كبيرة من اليتامى، الأمر الذي لم يمكن تجنّبه بسبب كثرة الحروب التي فُرضت على المسلمين، أدّت إلى ضرورة إباحة وتشجيع تعدد الزوجات من أجل حماية المجتمع المسلم من التدهور الخلقي. والحرب العالمية الماضية أيّدت أيضا فائدة هذا المبدأ الذي أقره الإسلام، فقد تركت الحرب أعدادًا غفيرة من النساء صغيرات السن، كن أرامل بلا أزواج. ولا شك أن الزيادة في عدد النساء عن عدد الرجال في الغرب، نتيجة لتلك الحرب، هي المسؤولة عن التسيّب الخلقي الذي يأكل في أوصال المجتمع الغربي. غير أنه لا بد من تلبية نداء الشهوات الجسدية وإطفاء نيران الغريزة، فكانت النتيجة هي الانحلال والانحطاط. وبسبب الانحلال الخلقي في الكثير من البلدان التي تصر بشدة على إغفال الحكمة وراء مبدأ التعدد في الإسلام، فقد استشرى في الغرب الكثير من الفساد الخلقي والاجتماعي نتيجة لزيادة عدد الإناث على الذكور الذي لا علاج له سوى التعدد.
ومن أهداف مبدأ تعدد الزوجات أيضا هو تلبية حاجة الأمة بعد انتهاء حالة الحرب التي، بالإضافة إلى الكثير من أسباب المعاناة الأخرى، تعاني الأمة فيها من انخفاض أعداد الرجال في الأمة إلى الحد الذي يهدد الأمة كلها بالزوال. كذلك فإن الانخفاض الحاد في عدد المواليد، الذي ينتج عن الانحلال الخلقي، والذي تعاني منه الكثير من المجتمعات الغربية معاناة شديدة، يمكن أيضا أن تتم معالجته من خلال مبدأ تعدد الزوجات. إن الغرب لن يتخلص مطلقا من الأمراض الخلقية والاجتماعية الفظيعة التي يعاني منها، بالإضافة إلى الانخفاض الكبير في المواليد الذي يهدد بعض البلاد، ما لم يُنحّ جانبا بعض المفاهيم الزائفة والعواطف المزيفة ويخضع لمبدأ تعدد الزوجات. إنها تضحية يضطر إليها الرجال والنساء على السواء، تضحية تقتضي التخلي عن بعض المشاعر العابرة من أجل المصلحة العامة للمجتمع، والفائدة المستمرة للبلد بأكمله.} (من التفسير الصغير)