loader
 

السؤال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
لو تفضلتم اريد تفسير هذه الآيات من سورة الرحمن " اَلَّا تَطۡغَوۡا فِی الۡمِیۡزَانِ ﴿۸﴾ وَاَقِیۡمُوا الۡوَزۡنَ بِالۡقِسۡطِ وَلَا تُخۡسِرُوا الۡمِیۡزَانَ ﴿۹﴾"
وجزاكم الله أحسن الجزاء

وردت هذه الآيات في سياق قوله تعالى: {الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ * وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ * وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ * أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ * وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ .} ويقول سيدنا الخليفة الثاني رضي الله عنها في تفسيرها :

{أي أن الشمس والقمر يعملان وفق حساب معين، وأن حركتهما ليست خارجة عن القانون بل تطابق قانونا معينًا ومحددًا. ونتيجة هذا القانون المحدد نجد أن نباتات الأرض وخضرتها أيضًا تتبع القانون نفسه وتتأثر به. إن معنى السجدة هو الطاعة أيضًا، وهذا هو معنى يسجدان هنا. ومن معاني النجم العشب والكلأ أيضًا، وهذا هو المعنى المراد هنا، لأنه عُطف على الشجر. ومعنى الآية أنه سواء كانت الخضروات التي لا جذع لها أو الأشجار ذوات الجذوع فكلها تتبع الشمس والقمر في إنباتها ونموها وإثمارها. فانظروا مثلاً أن هناك فرقًا في الطقس بين المناطق الشمالية والجنوبية في العالم، أي حين يكون الشتاء في الشمال يكون الصيف في الجنوب، والعكس صحيح. هذا التغيّر يكون هناك فرق في المواسم عبر الفصول في الجزأين، وهذا ما أشير إليه في: وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ ، أي أن القانون نفسه الذي تتبعه الشمس والقمر تتبعه أيضا الخضروات والكلأ والأعشاب والأشجار بأنواعها وتتأثر به ففي هذه الآية أشار إلى أن التغيرات التي تحدث تحت الأرض إنما هي جزء من النظام الشمسي وتتأثر به وليست مستقلة ثم يقول الله تعالى: وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ ، أي أن هناك نظامًا آخر فوق نظام الشمس والقمر، أي أن النظام الشمسي تابع لنظام الكون. فكما أن النظام الأرضي تابع للنظام الشمسي، كذلك نظام الكون أيضًا تابع لقانون معين ومحدد، وإن أجزاءه ليست مستقلة عن بعضها. ما أعظمها من حقيقة ذكرت في هذه الآية لم يعرفها أحد في زمن نزول القرآن الكريم، بل علمها الناس في العصر الراهن فقط! أن النظام الشمسي ليس نظامًا وحيدا بل هو جزء من نظام أعلى وأوسع يسمى سماء، أو الكون الجامع. وأشار بقوله: رَفَعَهَا إلى أن ذلك النظام هو الأعلى مرتبة وبسبب 

الأوسع من الأنظمة المذكورة من قبل أي من النظام الأرضي والنظام الشمسي. وبيّن بقوله: {وَوَضَعَ الْمِيزَانَ} أن ذلك النظام الأعلى أيضًا جُعل تابعًا للميزان، وجُعل تابعًا لقانون وليس مستقلاً. لقد أشير في هذا المضمون إلى الأمور التالية: (۱) الأمر الأول: النظام الأرضي تابع للنظام الشمسي، وليس حاكمًا عليه. حين اكتشف العالم المعروف غاليليو هذه النقطة وأعلن أن الأرض تدور حول الشمس وليس العكس كما كان يظن عامة الناس حينذاك، أصدر العالم المسيحي فتوى بتكفيره، وقالوا بأنه إذا اعترف بأن الأرض تدور حول الشمس فلا بد من التسليم أن الشمس أفضل من الأرض؛ وبالنتيجة ستكون أفضلية الإنسان محل شك وريب وسيبطل الدين. فبناء على هذا الدليل ظلم غاليليو أشد المظالم وسُجن وضُرب ولم يستطع احتمال المظالم إلى سنوات طويلة، واضطر المسكين إلى التراجع قائلاً بأن ما تقوله المسيحية صحيح، وأن الشيطان أغواني وأراني أن الأرض تدور حول الشمس، فخَفَّتْ معاناته قليلاً. ولكن انظروا إلى القرآن الكريم كيف يقول منذ البداية: وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ ) أي أننا خلقنا الشمس والقمر بحسب قانون خاص وهما يلتزمان ،به ثم تتبع نباتات الأرض قانونهما. إذا قال أحد بأن الأرض تدور حول الشمس أما القمر فيدور حول الأرض، فنقول : ما يهدف إليه القرآن هو أنه قد ذكر كرة تتبعها الأرض، وذكر كذلك كرة تتبع الأرضَ ، وقيل بأن الأرض تتأثر بكلتيهما. أي تتأثر بالتي تدور الأرض حولها وكذلك بالتي تدور حول الأرض. واستنتج من ذلك أن الأدنى أيضًا يؤثر في الأعلى، والمحكوم أيضًا يترك تأثيره في الحاكم؛ لذا يجب ألا يستكبر القوي وألا يغض الطرف عن الضعيف، لأنه لا يسع القوي إلا أن يتأثر بالضعيف. فلو لم يصلح الإنسان نفسه من هذا المنطلق لهلك بنفسه، ولو لم ينهض بالضعيف هو أيضًا، لأن قانون الله تعالى هو أن كل شيء يقبل تأثير ما هو أعلى منه وكذلك ما هو أدنى منه، ويؤثر فيه الحاكم والمحكوم كلاهما ...}  (السياحة الروحانية ص109-110)

وهناك نكتة مهمة في هذه الآيات حيث استرعت انتباه الإنسان إلى مراعاة القانون الالهي الكوني والاعتبار به في علاقة التأثير المتبادل بين الحاكم والمحكوم التي يؤثر أحدهما على الآخر بحسب مكانته ودوره مع وجوب مراعاة الوسطية والاعتدال والقسطاس في هذه العلاقة .


 

خطب الجمعة الأخيرة