"أترابا"يقال هذه ترب فلانة إذا كانت على سنها. (الأقرب)
والكواعب الأتراب إشارة إلى النساء المؤمنات ذوات المقامات الروحانية المتقاربة والهمم المتقدة في السيروالسلوك والقرب من الله تعالى وهو الحال الذي تشهد عليه تضحيات الصحابيات وما بعدهن من القرون الفضلى في الاسلام ويقول سيدنا الخليفة الثاني بشير الدين محمود أحمد رضي الله عنه بهذا الصدد في تفسيره :
فقوله تعالى {وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا} إشارةٌ إلى أن الله تعالى سيبارك في المسلمين بحيث إنهم يمتازون، حين يصلون إلى مكان فوزهم، بميزة خاصة وهي أن نساءهم سيبلغن مستوى روحانيًا رفيعًا وفي الوقت نفسه يكون مستواهن متقاربًا. ذلك أن كلمة {كَوَاعِبَ} تشير إلى الرفعة، أي أن مستواهن الديني يكون عاليًا وكل واحدة منهن تكون مفعمة بالحماس والرفعة والاتّقاد، بينما تشير كلمة {أترابا} إلى أن رقيّهن سيكون رقيًّا جماعيًّا لا فرديًّا، أي أن حماس كل واحدة منهن في التضحية في سبيل الدين سيكون متقاربا متماثلا، لا أن تبلغ بعضهن الذروة في حماسهن وإخلاصهن، بينما تكون الباقيات غافلات عن واجباتهن. وإن مطالعة التاريخ الإسلامي تدلنا على أمثلة عديدة لنساء أبدين شجاعة وهمّة مذهلتين في الحروب دائمًا. ونجد هذه السمة في المهاجرات والأنصاريات كلهن. يخبرنا التاريخ عن آلاف المسلمات اللاتي قدمن في شتى المعارك نماذج رائعة لصدق قوله تعالى {وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا} بحيث يتضاءل أمامهن رجالُ هذا العصر.
لا شك أن الله تعالى قد استعمل هنا كلمة {كَوَاعِبَ} الدالة على الحالتين الجسمانية والروحانية، ولكن الحكمة في استعمالها هي أن الله تعالى يتحدث هنا عن قضيتين؛ إحداهما تتعلق بالآخرة، والأخرى بهذه الدنيا، وكلمة {أَتْرَابًا} تغطّي كلتا القضيتين. إنها تغطّي القيامةَ لأن كل إنسان يدخل الجنة وهو شاب، فقد ورد في الحديث أن عجوزًا أتت النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - وقالت يا رسول الله، ادعُ الله أن يُدخلني الجنة -ويبدو أنها كانت معتادة على مقاطعة الحديث وكان الرسول - صلى الله عليه وسلم - مشغولا بحديث مهم مع الآخرين - فأجابها إجابة قصيرة على سبيل المزاح، وقال: لن يدخل الجنة عجوز. فولّتْ وهي تبكي، فبعث النبي - صلى الله عليه وسلم - وراءها فقال: إنه - صلى الله عليه وسلم - لم يقصد ما فهمتْ، وإنما يعني أن كل إنسان يدخل الجنة في حالة الشباب لا الشيخوخة. (الشمائل المحمدية للترمذي: باب ما جاء في صفة مزاح النبي - صلى الله عليه وسلم -). ذلك أن المرء لو دخل الجنة - التي هي مكان سرور وحبور - وهو شيخ هرم صارت له أسوأ من الجحيم. ذلك أن المرء يشيب عند بلوغه الثمانين أو المئة، ولو استمرّ شيبه في الجنة لصار بعد عشرين ألف سنة شيئًا ذليلا حقيرا، وربما يصبح كالكُرة، ناهيك أن يتمتع بنعيم الجنة. لذلك لا بد أن يدخل الإنسان الجنة وهو شاب، وأن يبقى فيها شابًّا على الدوام. كذلك سيكون أصحابه في الجنة من زوج وأهل شبابًا أيضًا.
غير أننا لو طبّقنا هذه الآية على هذه الدنيا لكانت الكواعب بمعنى النسوة اللواتي هن شابّات همّةً وجرأةً وشجاعة، وليست شابّات جسديًّا، إذ يصبح المعنى في هذه الحالة كالآتي: إن للمتقين كواعب في البداية، أي أنهن سيكنّ شابات في البداية ولكن سيغزوهن الشيب فيما بعد؛ أو سنضطر للقول أن على المتقين أن يتزوجوا الشابات، وإذا هرمن طلَّقوهن إذ لم يعُدْن كواعب، أو لا بد لنا من القول أن المتقين سيجدون نسوة لن يهرمن أبدا في هذه الدنيا؛ ولكن كل هذه المعاني خاطئة، لا بد لنا من أن نفسر هذه الآية تفسيرًا روحانيًّا لا ماديًّا، لأن الله تعالى لم يذكر هنا أي زمن، أعني أنه لم يقل أنهن يكنّ شابات أول الأمر ثم يشِبْن، بل قال إنهن سيظللن كواعب على الدوام، فثبت من ذلك أن الآية لا تعني أنهن يكنّ شابات سنًّا، بل المراد أنهن يكنّ شابات عزيمةً وهمة وشجاعة.
فثبت أن المعنى هنا روحاني وليس ماديًّا. لا شك أن المعنى المادي ينطبق على الآخرة، لأن الناس لو دخلوا الجنة شيوخًا فلا تُعتبر الجنة جنةً، ولكن لو طبقنا قوله تعالى {وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا} على هذه الحياة الدنيا فيكون المراد منه نساء يتمتعن بكفاءات وطاقات شبابيّة. ذلك أن البدن المادي يصاب بالضعف وتبدو عليه أمارات الشيخوخة في هذه الدنيا بمرور الزمن، أما الطاقات الروحانية فلا تضعف في الإنسان إذا أراد تقويتها. فثبت أن الأمر الأهم هو أن تكون نساء القوم مصداقًا لقوله تعالى {وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا}.
علمًا أن كلمة {كواعب} تشير إلى الشباب الشخصي، أما كلمة {أترابا} فترمز إلى شبوبية الأمة.
ثم إن كلمة {أَتْرَابًا} أيضا تؤكد أن الأخذ بالمعنى الروحاني هو الأنسب، إذ لا معنى ولا حكمة في كون النساء أترابًا في الجنة. كلا بل إن هذه الكلمة تتعلق بهذه الدنيا؛ إذ تُنبه أن رقي الأمة محال بدون أن يكون المستوى الديني لنساء المجتمع عاليًا. يجب أن يتحلين بالهمة والعزيمة والشجاعة، فلا يبالين بالمصائب والشدائد، ويكُنَّ مستعداتٍ لتقديم أي تضحية، ولا يتأخرن عن رجالهن في إخلاصهن وحماسهن وحبهن لدينهن. وهذا المعنى يبلغ من الروعة بحيث يستحق أن يعاد مرارًا وتكرارًا. يجب أن نركز عليه في خطبنا وكتبنا كثيرًا حتى يعلم القوم ما هو المستوى الذي يريد الإسلام أن يوصل إليه نساءنا، وحتى تتحلى نساؤنا بالحماس الديني المنشود. أما لو كانت النساء كلهن بسن واحد في الآخرة فليس في هذا المعنى أي لطافة أو روعة، بل الحق أن كلمة {كَوَاعِبَ} وحدها كافيةً لأداء هذا المعنى. إذًا، فإن إضافة كلمة {أَتْرَابًا} إلى كلمة {كَوَاعِب} دليل على أن هذه الآية تتحدث عن هذه الدنيا.(التفسير الكبير، ج8 ، سورة النبأ)
لمزيد تفصيل يرجى مراجعة (التفسير الكبير ج8 سور النبأ)