loader
 

السؤال: السلام عليكم...الاية 78 والاية 80 من سورة الحجر تتحدث عن اصحاب الايكة وعن اصحاب الحجر...فهل هم نفس الناس؟وهل من اضافة بشانهم؟ مشكور اخي "طاهر"

جاء في التفسير الكبير
شرح الكلمات:
الأَيْكَة: الأَيكُ: الشجر الكثير الملتفّ؛ وقيل: الغَيضةُ تُنبت السِّدْرَ والأراكَ ونحوهما، والواحد أيكة (الأقرب).
التفسير: يبدو أنه كان على مقربة من "مدين" غابةٌ كثيفة تكثر فيها أشجار السِّدر والأراك، ومن أجل هذا سمِّي سكانها بأصحاب الأيكة؛ والأغلب أن هذا الاسم أُطلق عليهم من قِبل العرب الذين كانت قوافلهم التجارية تمر بهذه الغابة، وقد استخدم القرآن نفس الاسم المعروف لدى العرب إتمامًا للحجة عليهم.
والثابت من القرآن أن أصحاب الأيكة هم قوم شعيب عليه السلام، قال الله كذَّب أصحابُ الأَيْكةِ المرسَلين إِذْ قال لهم شعيبٌ ألا تتَّقون إني لكم رسول أَمين(الشعراء: 177- 179). وفي موضع آخر أخبر القرآن أن شعيبًا أُرسل إلى قوم مدين إذ قال وإلى مَدْيَنَ أخاهم شعيبًا(هود: 85). فهل يا تُرى كان ثمة نبيان باسم شعيب، أم أن شعيبًا بُعث إلى الشعبين: أصحاب الأيكة وأهل مدين؟
إن بحثي في هذا الصدد يكشف أنهما قبيلتان من نسل واحد. فمنهم من عاشوا على تجارة السلع المنتجة في المدن، ومنهم من عاشوا على تجارة السلع القروية من لبن وزبد وصوف. وهذا الواقع يمكن أن يشاهَد بكثرة في المدن الواقعة على مقربة من البراري والغابات.
لكن، هل كان بالفعل بالقرب من "مدين" غابة فيها السدر والأراك؟ هذا أمر لا يمكن الجزم به بناء على القياس، ولكن الجغرافيين قد أكدوا هذا الأمر؛ فقد كتب الشيخ سليمان الندوي - نقلاً عن "المناجم الذهبية بمدين" للمستشرق برتن - أن أحد الجغرافيين اليونان يذكر "أنه وراء خليج عيلانه (أي العقبة) الذي يقيم حوله العرب الأنباط يوجد بلد باسم بوتيمانوس (بنو تيمن)، أرضه واسعة مسطحة وذات مياه، وليس بها إلا الأعشاب أو الأشجار التي تبلغ قامة الإنسان، والتي تعيش عليها قطعان من الإبل الوحشية والظبي والأيل، كما تتغذى بها الحيوانات الداجنة من ماعز وضأن. ولكن إلى جانب هذه النِعم يوجد فيها الأسود والذئاب مما انقلبت به نِعم أهل المنطقة نِقمًا. (أرض القرآن ج 2 ص 23-24).
وهذا يعني أن "مدين" كانت تقع على رأس خليج العقبة، وكانت بالقرب منها غابة تتميز بالمواصفات التالية: 1- تكثر بها الأشجار التي تبلغ طول الإنسان، علمًا أن شجر السدر البري والأراك يبلغ هذا القدر من الطول. 2- بها قطعان من الإبل الوحشية، وهذا يؤكد وجود شجر السدر والأراك بها، لأن الإبل تعيش على أشجار كهذه. 3- بها قطعانٌ من المواشي والضأن، مما يعني أن أهل هذه المدينة كانوا يربّون الحيوانات الداجنة التي كانت ترعى في هذه الغابة نفسها.
وهذه المدينة - التي كانت تقع على رأس هذه الأيكة أي الغابة - سُمّيت باسم هذه القبيلة القاطنة بها. فكان هناك مدينة باسم مدين، كما كان هناك قبيلة بالاسم نفسه؛ وقد استخدم القرآن الكريم هذه الكلمة بكلا المعنيين، فقال مشيرًا إلى قوم مدين وإلى مدين أخاهم شعيبًا(هود: 85)، وقال مشيرًا إلى مكانهم وأصحاب مدين والمؤتفِكات(التوبة: 70).. أي ألم يأتهم خبرُ أهل مدين وخبرُ القرى التي جعل الله عاليَها سافلَها.. أي قوم لوط؟
ومدين هؤلاء كانوا من نسل إبراهيم عليه السلام حيث ورد في التوراة: "وعاد إبراهيم فأخذ زوجةً اسمها قَطورةُ. فولدت لـه زِمْرانَ ويَقْشانَ ومَدانَ ومِدْيانَ ويِشْباقَ وشُوحًا. وولد يَقْشانُ شَبا ودَدَانَ. وكان بنو ددانَ أشُّورِيمَ ولَطُوشِيمَ ولَأُمِّيمَ. وبنو مِديانَ عَيْفةُ وعِفْرُ وحَنُوكُ وأَبِيدَاعُ وأَلْدَعَةُ. جميعُ هؤلاء بنو قَطورةَ (تكوين 25: 1- 4).
يتضح من هذه العبارة أن مدين كان ابنًا لإبراهيم من بطن زوجته قطورة. وبما أن التوراة لم تذكر إلا أولاد يقشان ومديان فيبدو أن الآخرين لم يُرزقوا ذرية أو أن ذريتهم لم يُكتب لهم الازدهار، بل انصهروا في أولاد الآخرين. وأما يقشان فإن نسل ابنه ددان أيضًا كثروا وصاروا قبيلة، ولكنهم عاشوا مع نسل مِديان، حيث يرى صاحب "أرض القرآن" أن أصحاب الأيكة هم من نسل ددان القاطنين مع بني مدين في منطقة الأيكة نفسها، وكأن الجميع كانوا قبيلة واحدة. (أرض القرآن ج 2 ص 21 و177)
وعندي فإن هذا الرأي ذو ثقل ومنطق شريطة أن نقول إن القبيلتين كانتا تعيشان كقبيلة واحدة حيث كانت عاداتهما وأساليب حياتهما ذات طابع واحد. كان الجميع يمارسون التجارة كما كانوا يرعون المواشي، لا أن إحدى القبيلتين كانت تمارس التجارة بينما كانت الأخرى تعيش في البادية على رعي الماشية وتربية الحيوانات الداجنة ، فهذا خلاف لبيان القرآن الكريم.
على كل، فإن أصحاب الأيكة كانوا في الواقع بني قطورة من نسل أبيهم إبراهيم. ويتضح من التوراة أن هؤلاء القوم انصهروا في بني إسماعيل في آخر المطاف، إذ ورد فيها في صدد قصة يوسف أن فوطيفار من مصر اشتراه من قافلة المديانيين، بينما ورد في موضع آخر من التوراة نفسها أنه اشتراه من قافلة الإسماعيليين (تكوين 37: 36 و39: 1)، وهذا يؤكد أن بني مدين كانوا قد انصهروا في بني إسماعيل قبل زمن موسى، ومن أجل ذلك كان القوم يُدعَون مديانيين تارة وإسماعيليين تارة أخرى.
وهذا الرأي يدعمه القرآن الكريم أيضًا حيث يدين أهلَ مدين بما يدين به أصحاب الأيكة أيضًا، إذ نجد سيدنا شعيبًا ينصح هؤلاء بقولـه فأَوفُوا الكَيلَ والميزانَ ولا تَبخَسوا الناسَ أشياءَهم ولا تُفسدوا في الأرضِ بعدَ إِصلاحِها(الأعراف: 86). ونفس هذه النصيحة قد وجّهها شعيب إلى أصحاب الأيكة أيضًا فقال أَوفُوا الكَيلَ ولا تكونوا مِن المُخْسِرين وزِنُوا بالقِسطاسِ المُستقيمِ ولا تَبخَسوا الناسَ أشياءَهم ولا تَعثَوا في الأرض مُفسِدين(الشعراء:182- 184).
فتبين من هذا أن أهل مدين وأصحاب الأيكة كانوا منغمسين في مساوئ متشابهة، وكانوا يعيشون أساسًا على التجارة التي كانوا يغشّون فيها كثيرًا.
أما لو ظننا أن بني مدين كانوا يسكنون في بلدتهم "مدين"، بينما كان بنو ددان يقيمون في البادية في أيكتهم.. لاستلزم ذلك القولَ أن الأولين كانوا يمارسون التجارة، في حين كان أصحاب الأيكة يعيشون على تربية المواشي. ولكن هذا الرأي مخالف لبيان القرآن الكريم الذي ينصّ أن أصحاب الأيكة أيضًا كانوا يمارسون التجارة التي غشوا فيها الناسَ. فالحق أن الاسمين هما لشعب واحد ذي مَدَنية واحدة، وهم بنو قطورة. وقد أُطلق عليهم هذان اللقبان لكونهما صفتين بارزتين فيهم.
نقله


 

خطب الجمعة الأخيرة