loader
 

السؤال: سلام اخي "طاهر"...عودة بعد غيبة الشتاء...اخي طاهر ...الاية 60 من سورة الحجر توحي ان المرسلون قد استثنوا امراة لوط لانهم قدروا انها من الغابرين...فهل هذا التقدير كان هامشا من الحرية يتمتعون به؟ هل كان بامكانهم حسب معنى الفعل المذكور ان يعفوا عنها؟والف شكر

جاء في التفسير الكبير في تفسير آية {إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ} (الحجر 61)
شرح الكلمات:
قَدَّرْنا: التقدير تبيينُ كميةِ الشيء. وتقديرُ الله: الحكمُ منه أن يكون كذا أو لا يكون كذا. والتقدير من الإنسان: التفكرُ في الأمر بحسب نظر العقل وبناءُ الأمر عليه (المفردات).
الغابرين: الغابر: الباقي، وجمعُه الغُبَّرُ والغابرون، ومنه: فأنجيناه وأهلَه إلا امرأتَه كانت من الغابرين.. أي من الذين بقَوا في ديارهم فهلكوا (الأقرب).
التفسير: لما كانت زوجة سيدنا لوط تخلفت ولم تخرج معه فما استطاع أن يخلّصها من الهلاك.
وبما أن كلمة قَدَّرْنا تعني أيضًا "حكَمْنا وقرَّرْنا" لذلك يستنتج البعضُ منها أن الضيوف كانوا ملائكةً لأنها هي التي يحق لها أن تقول "قَرَّرْنا".
ولكن هذا الاستنتاج ليس بصحيح، إذ لا يحق للملائكة أيضًا أن يقولوا قَرَّرْنا وحكَمْنا بذلك، لأن الحكم والقدر بيد الله وحده، لا بيد الملائكة. فالحق أن قولهم قَدَّرْنا جاء هنا بمعنى التخمين والتقدير. ويبدو أن الله أخبر هؤلاء الضيوف أو بعضهم عن نجاة آل لوط بواسطة الإلهام أو الرؤيا، ولكن لم ينكشف لصاحب الرؤيا مصير زوجة لوط انكشافًا واضحًا، غير أنه فهم منها أن زوجة لوط أيضًا من الهالكين، ولذلك لم يؤكد هؤلاء على هلاكها وإنما اكتفوا بقولهم بأنها بحسب تقديرنا لن تنجو من العذاب. وقد قالوا ذلك تعظيمًا لله عز وجل، أو تخفيفًا من وطأة الصدمة التي ستصيب إبراهيم عليه السلام. ولم يكن قولهم هذا كذبًا منهم، فإن الله تعالى يلغي أنباء العذاب أحيانًا. فمن المحتمل أن يكون هؤلاء قد فكّروا لعل الله تعالى سينجي زوجة لوط لدعائه وابتهاله، فلم يجزموا بعذابها.
هذا، وفي موضع آخر من القرآن الكريم قد نسب الله تعالى فعل التقدير هذا إلى نفسه صراحةً حيث قال: قَدَّرْناها من الغابرين(النمل: 58). فلا يمكن إذن لهؤلاء الضيوف - سواء كانوا بشرًا أو ملائكة - أن يقولوا: نحن حَكَمْنا وقَرَّرْنا بعذابها. فالحق أن فعل التقدير - كما تؤكد القواميس - إذا كان من عند الله تعالى فيعني الحكم والتقرير بأمر من الأمور، وإذا كان من البشر فيعني التكهن والتخمين، وهذا هو المراد في هذه الآية.
هذا، ونجد اختلافًا بين التوراة والقرآن الكريم في صدد سرد هذا الحادث حيث ورد في التوراة: "ولما طلع الفجر كان الملَكانِ يعجّلان لوطًا قائلين: قُمْ خُذْ امرأتَك وابنتيك الموجودتين لئلا تهلك بإثم المدينة. ولما توانى أمسك الرجلان بيده وبيد امرأته وبيد ابنتيه لشفقة الرب عليه، وأخرجاه ووضعاه خارج المدينة." (تكوين 19: 15 و16)
ولكن القرآن الكريم يبين أن الله تعالى كان قد أخبر لوطًا من قبل أن زوجته لن تخرج معه، بل تكون من الغابرين حيث قال: إنا منجُّوكَ وأهلَك إلا امْرَأَتَك كانت مِنَ الغابِرين(العنكبوت: 34). وكل عاقل سيدرك بمنتهى السهولة أيٌّ من هذين البيانين أقرب إلى الصواب. ما دام الله عز وجل يعلم أن زوجة لوط هالكة لا محالة فما الداعي أن تُخرجها الملائكة من المدينة المقدَّر تدميرها؟ ولماذا تُخرج الملائكة القوم الذين تعلم أن الله عز وجل قد قرّر هلاكهم؟ لو كان أحدٌ سوى الملائكة أخرج هذه المرأة لعُدَّ معذورًا، ولكن ما دامت الملائكة هي التي أتت بخبر هلاك هذه المرأة من عند الله فكيف ساغ للملائكة أن تُخرج هذه المرأةَ من المدينة. فثبت أن بيان القرآن الكريم هو الحق والصواب، لا بيان التوراة.
نقله


 

خطب الجمعة الأخيرة