loader
 

السؤال: السلام عليكم و رحمة الله وبركاته اخى و استادى كاسر الصليب وكاشف دجل المشايخ هانى طاهر انى احبك فى الله ووفقكالله الى كل خير سؤالى لك حول قصة نبى الله ايوب ما معنى مسنى نصب من الشيطان فى سورة الحجر الاية 41 وكدالك قصته مع زوجته التى اقسم ان يضربها ثم ضربها باالقش حتى اوفى بقسمه ارجوك اشرحلى هده القصة لاننى لا استطيع هضم تفسير تقليدى لا ادرى من اين جاؤو به

التفسير التقليدي هنا يأتي بأمور باطلة جدا.. وقد تأثر المفسرون باليهود الذين كانوا يخدعون بسطاء المسلمين ويقصون عليهم قصصا لا أصل لها، مستغلين حبّ الناس للقصص.. فأحيانا يحكون لهم ما في التوراة، وهو قد يكون محرَّفا وغير دقيق غالبا، وأحيانا يأتون بأشياء لا أصل لها حتى في التوراة... وفيما يلي ما ورد في التفسير الكبير للخليفة الثاني رضي الله عنه:
إن الوقائع التي قد ذكرها القرآن إنما تبين أن أيوب عليه السلام كان يملك أموالاً طائلة، وكانت لـه عائلة كبيرة. وكان يسكن في بلد وثني، وكان ملِكُه ظالمًا. والدليل على كون الملِك ظالمًا هو قولُ الله تعالى (إذ نادى ربَّه أنّي مَسَّني الشيطانُ بنُصْبٍ وعذابٍ)(ص:42). والشيطان في اللغة العربية هو المتمرد والطاغي (الأقرب)، فالمراد من هذه الآية أن الملك الطاغية قد أصابني بأذى وتعب وعذاب. أي بسبب عدوان هذا الطاغية قد اضطررتُ للهجرة من مكان إلى آخر، وقد ألحق الضرر بمالي وعائلتي، وهكذا آذاني. والدليل على قولي بأن أيوب كان اضطر للهجرة جراء ظلم ذلك الطاغية هو قوله تعالى (ارْكُضْ برِجلك هذا مغتسَلٌ باردٌ وشرابٌ)(ص: 43)، وأيضًا قوله تعالى (وخُذْ بيدك ضِغْثًا فَاضْرِبْ به ولا تَحْنَثْ)(ص: 45).. أي ارْكُضْ بدابتك، واضْرِبْها أيضًا بغصن شجرة لكي تحثّها على السير بسرعة، وعندما تفعل ذلك ستجد أمامك عين ماء تغتسل به وتشرب منه أيضًا.
يتضح من هذه الآية أيضًا أن أيوب كان يسكن في منطقة جبلية. وبإمكان الذين قد زاروا منطقة كشمير استيعاب هذا المشهد جيدًا. فإن أهل كشمير عندما ينـزلون من المناطق الجبلية على صهوات خيولهم يركضونها ركضًا، كما يضربونها بأغصان الشجر أيضًا من أجل السرعة. كما توجد في كشمير عيون المياه الباردة.
إذًا فإن كل ما يتضح لنا من رواية القرآن الكريم إنما هو أن أيوب عليه السلام قد هاجر بأمر الله تعالى من بلده، الذي كان منطقة جبلية ذات عيون ماء، وأنه ركض بفرسه خلال السفر - وليس أنه ركض الأرض برجله وفجّر عين ماء – كما كان يضرب حصانه بغصن كثير العُود ليحثّه على السير بسرعة؛ وليس أن زوجته دعته إلى الشرك بالله تعالى، فحلف بأن سيضربها مئة سوط، ثم احتال وأن أخذ ضغثًا فيه مئة عود وضربها به إبرارًا ليمينه. لقد انخدع المفسرون بكلمة (ولا تحنث) التي تعني ولا تُخلف يمينك، وقالوا إن الله تعالى أمر أيوب عليه السلام أن لا يخلف يمينه، بل عليه أن يضرب زوجته بضغث فيه مئة عود. مع أن الله تعالى لم يذكر مئة سوط، ولا الضرب بمئة عود. إن الضغث إنما يعني الغصن الذي فيه أعواد جافة وخضراء أيضًا، ومثل هذا الغصن هو الذي يستخدمونه عادةً لضرب الفرس، حيث يكون رخصًا لخضرته، كما يؤلم جلد الفرس بجفافه عند الضرب.
ثم إن الحنث يعني الميل إلى الباطل، وعليه فكان من واجب المفسرين، بدلاً من أن ينسجوا تلك القصة غير المعقولة، أن يفسروا الآية بأن الله تعالى أمر أيوب عليه السلام بالهجرة عن أرض ذلك الملِك الظالم، لأن القرآن يقول إن الله تعالى أمره بأن يركب حصانه ويركضه ويضربه بغصن شجرة، ويخرج عن ذلك البلد بسرعة، ويبتعد عن المشركين بدون تأخير، وأن لا يميل إلى المشركين.. أي لا يعيش بينهم. ذلك لأن الحنث لا يعني هنا الميل إلى الباطل بالقلب، بل يعني الميل إلى الحنث بالجسد الذي معناه هنا الجوار. وهكذا قد أمره الله تعالى أن يخرج من منطقة الشرك بسرعة، غير مكترث لما يصيبه بركوب الفرس من نصب وتعب. إذ ليس هناك من علاج للنصب الذي يصيبك من قبل الملِك، ولكن نصب الركوب فعلاجه ممكن، وهو أن أمامك عين ماء، فاغتسلْ فيه، واشرب منه، ولا تتأسف على ترك ذلك البلد لأننا سنوصل إليك أقاربك كلهم، بل نعطيك مثلهم أيضًا.. أي سيكون لك في البلد الجديد أيضًا محبّون مخلصون.
ونجد هنا نوعًا من التشابه بين النبي صلى الله عليه وسلم وأيوب عليه السلام. لقد اضطر النبي صلى الله عليه وسلم للفرار من بلد الشرك الذي لم يكن به ماء. ثم بعد ذلك أوصل الله تعالى بفضله زوجاته اللواتي ترَكهن في مكة وقت هجرته إلى المدينة، كما آتاه الله تعالى في المدينة مزيدًا من الأزواج المطهرات الصالحات مثلهن. وهذا ما وعد الله به أيوب هنا فقال لـه، اخرُجْ مِن مُلك هذا الملِك المشرك، وهاجِرْ إلى بلد آخر، وسنفرّج عنك كروبك هناك، وسنُلحق بك أقاربك، بل نهب لك المزيد مثلهم؛ كما نمدّك بالماء الوفير للغسل والشرب.


 

خطب الجمعة الأخيرة