loader

القواعد الأساسية التي تحكم تحقُّقَ النبوءات

قبل أن نشرع في بحث بعض من نبوءات سيدنا الميرزا غلام أحمد التي يزعم خصومه أنها لم تتحقق.. قد تكون مناقشةُ القواعد الأساسية التي تحكم تحقُّقَ النبوءات الإلهية التي يُنعم بها الله على رسله.. ذاتَ صلة وثيقة بالموضوع. لا يجادل المرء مع خصوم الأحمدية عندما يقولون بأن "النبي لا يتنبأ من عند نفسه، بل يفعل ذلك بسلطان من الله تعالى وحده". كما يُعَدُّ من السذاجة أيضا ما يفترضه ويؤكده ذوو الذكاء المحدود من أن "كل نبوءة للنبي لا بد من تحققها حرفيًّا". يشير تاريخ الديانات المسجَّل إلى أن رجالا ممن يتبوأون أعلى المنازل والمقامات في الروحانية أيضًا قد لم يقدروا في بعض الأحيان على فهم رسالة سماوية كما ينبغي. وطبقًا لشهادة القرآن الكريم.. حدث بالفعل أن بعض رسل الله تعالى قد فهموا ما أُوحي إليهم فهمًا يخالف حقيقةَ ما ترمي إليه المشيئة الإلهية فيما أوحي إليهم. ألسنا نعرف رؤيا سيدنا محمد المصطفى صلى الله عليه وسلم التي تتعلق بأداء العمرة والحج مع صحابته.. تلك الحادثة المعروفة في تاريخ الإسلام باسم "صلح الحديبية"؟ ماذا حدث هناك؟ تقول الأحاديث إن النبي صلى الله عليه وسلم - بناء على رؤيا إلهية رآها - طلب من أصحابه أن يتجهزوا لزيارة بيت الله الحرام بمكة المكرمة وأداءِ شعائر العمرة هناك. ولكن مشركي مكة أبوا عليهم دخولَ البقعة المقدسة. وانتهى الأمر إلى توقيع معاهدة بين المسلمين والمشركين عند الحديبية، وبناء على شروطها قَبِلَ النبي صلى الله عليه وسلم بالعودة إلى المدينة بدون أداء شعائر العمرة التي فَهِمَ حضرته من الرؤيا أنها مقدَّرة لهم. (صحيح البخاري، كتاب المغازي). ويشهد التراث الإسلامي أن صحابة النبي صلى الله عليه وسلم - مع احترامهم وتقديرهم الفائق لمقامه صلى الله عليه وسلم - كانوا يكرهون بشدةٍ الإحلالَ من إحرامهم بالعمرة والرجوعَ إلى المدينة دون تحقيق النبوءة كما فهموها. (المرجع السابق) وبعد سنوات ذكر سيدنا عمر رضي الله عنه هذه الحادثة وصرَّح بأنه "لم يخالجه شك منذ أن دخل في الإسلام إلا يوم الحديبية." (زاد المعاد في هدي خير العباد، المجلد الأول) يا تُرى.. بماذا يعلِّق أولئك المتعالمون المتعجرفون.. الذين يجادلون في تحقق نبوءات سيدنا أحمد.. لو أنهم كانوا حاضرين لدى توقيع صلح الحديبية والإيابِ إلى المدينة دون أداء شعائر العمرة التي أشارت إليها رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم؟ وهناك مثال آخر يبين كيف أن الرؤى الربانية لم يفهمها تمامًا في بعض الأحيان رجالٌ من ذوي المكانة العالية.. ذلك هو وعد الله تعالى لسيدنا نوح عليه السلام. يقص القرآن الكريم أن الله - جل وعلا - وعد رسولَه نوحًا بنجاة أهله جميعًا من كارثة الطوفان التي كانت وشيكة الحلول بقومه. وعندما شاهد سيدنا نوح ابنه على شفا الغرق.. نادى ربه بصحيات الحزن الشديد والحيرة الأليمة ( ربِّ إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق) (هود:46).. وكأنه يذكِّره بوعده السابق. ومع ذلك.. فإن الله تعالى - بدلا من أن ينجي الولد - أخبر الوالدَ المضطرب بأن ابنه ذاك من دمه ولحمه فعلا.. ولكنه - بسبب فسوقه - لا يدخل ضمن أسرة النبي في نظر الله تعالى. فكأن سيدنا نوحًا قد أخطأ فهمَ الوعد الإلهي الذي ما كان يتعلق بأهل النبي وذريته إلا من الناحية الروحية فحسب. وإنا لنسأل هؤلاء الذين يجزمون بلا دليل: ما قولهم لو كانوا حاضري المشهد، وينظرون من فوق الجبل ويرون الموجة العاتية تكتسح ابن نوح إلى مصيره الأخير؟ هذه الحقائق التاريخية الثابتة في كتب الوحي الإلهي.. ألا توحي للمرء بضرورة أن يتعرف جيدا بالوسائل المتنوعة التي يحقق بها الحقُّ سبحانه وتعالى كلماتِه.. ذلك قبل أن يغامر المرء فيناقش هذه المسألةَ الدقيقة المتعلقة بتحقق النبوءات والمشيئة الإلهية؟ إن القاعدة الذهبية المهيمنة في تعامل الله جل وعلا مع الإنسان ذَكَرَها القرآن المجيد حيث يعلن ربُّ المقادير وصاحبها: (عذابي أصيب به من أشاء ورحمتي وسعتْ كلَّ شيء.. فسأكتبها للذين يتقون) (سورة الأعراف: 157). وبالنظر إلى هذه القاعدة السائدة دائما.. يكون من السذاجة بمكان أن يحتجّ أحد بقوله: لا بد من تحقق النبوءات كلها حرفيًّا كما يفهمها العقل البشري المحدود. إن مثل هذا الرأي مضلِّل تماما، وصاحبُه يَغفل عن أن يأخذ في الاعتبار أمرين: أولا، صفةَ الرحمة الإلهية الحنون التي لا يُسبَر غورها، وثانيا، العواملَ الأخرى المتعلقة بالموضوع.. مثل سلوك القوم الذين صدرت بصددهم النبوءة الإلهية. ولما كانت رحمة الله تعالى ترجَح غَضَبَه..فلا يمكن أن يجرؤ مسلم يستحق ذرةً من نعم الله تعالى ليقيِّد حقَّ الله في الاختيار والتفضل برحمته على من يشاء. هذا الحق - بشهادة القرآن العظيم وأحاديث النبي الكريم - هو ما أعلنه الله تعالى هكذا: (كَتَبَ على نفسه الرحمةَ).. يرحم من يشاء وإن كانوا ممن قُدِّر عليهم الغضب من قبل. لا مِراء في أن ما يقرره الله تعالى حق مطلق.. لأنه لا يقول إلا ما هو حق. ولكن الله تعالى هو نفسه مالِكُ مشيئته ورب الأقدار. قد ينبئ بهلاك قوم، ثم يبدِّل القومُ سلوكَهم في الحياة ويُبدون الندم، ويتوبون ويتصرفون بحسب التقوى.. وعندئذ يصفح الله تعالى عنهم.. ويَدَعُ المبدأَ الغالب - مبدأ (رحمتي وسعت كل شيء) - ليقوم بدوره طبق قاعدة (وما كان الله معذِّبهم وهم يستغفرون) (سورة الأنفال: 34) ويندهش المرء عندما يجد هؤلاء الطاعنين في الجماعة الإسلامية الأحمدية يفشلون في ملاحظة الظاهرة اليومية التي خَبرها كل مؤمن. فكثيرا ما يرى المؤمن في الحلم تحذيرًا يتعلق بأحداث غير مواتية ومآسٍ وشيكة في حياته، ويستطيع الجزمَ أن مثل هذه الأحلام الصالحة - بناء على سنة النبي صلى الله عليه وسلم - هي في الواقع تحذيرات إلهية، يكشف الله تعالى عن طريقها لعباده أخطارا تهددهم. ولكن إذا تاب المنذَر، وابتهل إلى الله تعالى سائلا الصفحَ، وأعطى الصدقاتِ وبذل المال في سبيل الله.. فإنه كثيرا ما يتفادى برحمة الله تعالى وغفرانه هذه الأخطارَ المحدقة. ما ذا يا ترى..رأي المعترضين على نبوءات سيدنا أحمد.. بالنسبة لهذا الرب الذي يُخبر عبده بحادث وشيك، ثم إذا تاب عبدُه وتضرَّع وتصدَّق وضحّى.. يبدِّل الرب قضاءه؟ ألا يكون صادقا في كلمته؟ من تعاليم الإسلام الحقة، التي أرساها نبي الإسلام صلى الله عليه وسلم فيما يتعلق بالعقاب الإلهي.. أن لله سبحانه مطلقَ الحرية في أن يعفو، وأن الصدَقة ترفع عقاب السماء المقدر. وبصرف النظر عما يقوله العيابون على سيدنا أحمد بصدد نبوءاته.. تبقى الحقيقة الثابتة بأن تحقُّق النبوءات، وخصوصًا تلك المنذِرة بالعقاب، موضوعٌ مشروط بسلوك المنذَرين الذين صدر بشأنهم القرار، ومشروطٌ أيضا بمشيئة الله تعالى. وإن شاءت حكمتُه ألا يعفو - جل وعلا - تحققت كل كلمة في النبوءة. ولكن إذا قدَّر الله تعالى أن يصفح عن الإنسان لأنه بدَّل سلوكه.. فإن النبوءة التي تنذر بالعقاب لا تتحقق. ومن الواضح عندئذ أن عدم تحققها لا يفسَّر بأنه بطلان كلمة الله تعالى.. لأنه جل وعلا محيطٌ بكل شيء، وهو وحده المطّلع على قلب المرء، ويعلم المغزى الحقيقي لكلمات نبوءاته.. ومن ثَم فإنه يحقق كلمته كما قدّر وشاء، وليس كما يفهم الإنسان أو يتوقع. ثم هناك دليل إيجابي في القرآن الكريم يشير إلى أن الوعود الإلهية عن بشارات سارة هي أيضا قابلةٌ للتبديل إذا بات القوم المبشَّرون غيرَ أهلٍ لتلقي الإنعام الإلهي الموعود. وللمرء أن يتساءل مثلا.. ماذا جرى لسيدنا موسى وقومه بني إسرائيل بعد أن تحرروا من استعباد فرعون مصر؟ أنبأهم سيدنا موسى عليه السلام بأن الله تعالى سوف يهلك أعداء بني إسرائيل ويورث الإسرائيليين الأرض الموعودة. (قال عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون) (سورة الأعراف:130) وتحقيقًا لذلك أوصلهم الله تعالى إلى عتبات الأرض الموعودة التي كتبها لهم، ولكن تبيَّن أن بني إسرائيل غير جديرين بهذا الوعد بعد، ولذلك قضى الله تعالى تأجيلَ تحقق وعده لهم أربعين سنة. (سورة المائدة: 22-27) يروي لنا التاريخ أن سيدنا موسى.. ذلك الرسول الصالح الذي بعثه الله تعالى إلى بني إسرائيل.. عانى مع أمته الظالمة. ومع أنه كان بريئًا من أي جرم إلا أنه مات في "برية مؤاب" دون أن يدخل الأرض الموعودة التي وعده الله وقومه إياها. ولكنه كان عبدًا مؤمنًا مخلصًا لله تعالى.. ولذلك لم يعترض ولم يشكّ في كلام ربه. والآن، هل يجرؤ أصحاب التأكيد الساذج بأن وعود الله تعالى لا بد من تحققها حرفيا دون تغيير أو تبديل.. بصرف النظر عن أي سلوك مقيت من جانب الموعودين.. أقول: هل يجرؤون على مساءلة الله تعالى نيابةً عن سيدنا موسى؟ وإذن، عندما نقرأ أن كلمات الله "لا تتبدل".. ينبغي فهمُها فقط على أنها أسلوب مقرَّر من الله تعالى، وأن تحقق أحكامها في الماضي منذ إعلان أن "كلمات الله لا تتبدل" يقوم على مثل هذه الآيات القرآنية: (فهل ينظرون إلا سنة الأولين فلن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا) (سورة فاطر:44) فهل يتوقعون من الله تعالى معاملة غير معاملته للأقوام الماضية؟ كلا، لن تجد تغييرا أو تبديلا في سنة الله جل وعلا. ومع ذلك.. إذا شاء الله تعالى - انسجامًا مع سنته المستمرة - أن يرجئ أو يلغي قرارَ إيقاع العقوبة على قوم بسبب عوامل معينة تستدعي رحمته، كما حدث مع سكان نينوى.. فإن هذا التغيير أو التبديل الظاهري لا يجوز اعتباره تبديلا أو تحويلا في كلمة الله تعالى. يسوق القرآن الكريم دليلا قويا في بيانٍ علمي.. يوضح كيف أن الله جل وعلا يجعل رحمته تسبق غضبه، إذ يسحب قرار العقوبة الذي أصدره. والمثل النموذجي لهذا الأسلوب نجده في معاملة الله تعالى لأهل نينوى (سورة يونس:99). يقص علينا القرآن المجيد أن الله تعالى بعث سيدنا يونس عليه السلام رسولا إلى بلدة نينوى، فرفضوا رسالة الله تعالى بادئَ الأمر، ولذلك قدر الله موعدًا معينًا ويومًا محددًا لهلاكهم. وفهِم سيدنا يونس أن هذا النبأ الإلهي الخاص بهلاك مائة ألف أو يزيدون من سكان نينوى سوف يتحقق حرفيًّا، ولذلك هاجر من البلدة (سورة الأنبياء: 88)، ووقف على مسافة منها يترقب أنباء تدميرها. يقول القرآن المجيد إن أهل هذه البلدة ندموا ندمًا صادقًا، وتابوا إلى ربهم توبةً نصوحًا، وتضرعوا إليه يستغفرونه ويلتمسون رحمته.. فألغى الله تعالى قراره السابق ونظر إليهم برحمته. ويصرح القرآن المجيد فيما يتعلق بهذه النبوءة والمصير النهائي لقوم نينوى فيقول: (لما آمنوا كشفنا عنهم عذابَ الخزي في الحياة الدنيا) (سورة يونس: 99) فهل يتقدم أولئك الناقدون لنبوءات سيدنا أحمد.. ويحتجون ضد نبوة سيدنا يونس فينكرونها.. لأن نبوءته التي تلقاها بالوحي الإلهي لم تتحقق كما توقعها الإنسان.. فقد جاء قدر الله تعالى بخلافها، ونجَّى أهلَ نينوى من عذاب الخزي لما آمنوا؟ وبالمناسبة، فإن سيدنا يونس عليه السلام كان رجلا قوي الإيمان عظيم التقوى. لما أدرك خَطَأَه في فهم غاية المشيئة الإلهية.. طفق يستغفر ويسأل الله تعالى الصفحَ، ونتيجة لذلك نجّاه الله تعالى من الغم. لو كان الناقدون العيابون لسيدنا أحمد هؤلاء في مكان سيدنا يونس.. للبثوا في بطن الحوت إلى يوم يبعثون، إذ لا يُتوقع منهم إدراكُ خطئهم والتماسُ المغفرة على سوء فهمهم لسنن الله تعالى. هذه الأمثلة القليلة من التاريخ الديني المسجَّل المحفوظ.. تكفي لترسيخ الحقيقة حول مسألة تحقُّق النبوءات الإلهية، وتُبين أنها موضوع يتطلب الدراسة بحرص عظيم. ومن الـمَهازل المؤلمة عند مناقشة نبوءات أُلهمتْ لسيدنا أحمد - وهي بالطبع خاضعة لنفس القواعد الإلهية السارية التي ذكرناها آنفا - أن خصوم الأحمدية لا يتعاملون مع الموضوع بخُلق الأمانة والاستقامة.. وهما من الصفات الواجبة، ليس على المؤمن فحسب، بل تتوقع أيضا من الإنسان العادي الصادق.


 

أخبار الجماعة

خطب الجمعة الأخيرة