loader

ثالثا: النبوءة عن القسيس عبد الله آثم

تكشف الوقائع التاريخية قبل تقسيم الهند أنه خلال الجزء الأخير من القرن التاسع عشر أخذت النصرانية تُحرز انتصارات كبيرة في شبة القارة الهندية. وتخبرنا الدلائل أن الكنيسة أعلنت بتنصير 91092 من المسلمين الهنود في عام 1851م، ولكنها في عام 1881 نجحت في تنصير 417372 نسمة.

كانت هذه الزيادة الضخمة التي سجلتها الكنيسة مصدرَ قلق بالغ للغالبية العظمى من المسلمين المخلصين الهنود.. الذين أخذوا يحضُرون لقاءات النصارى ليدافعوا عن الإسلام بقدر استطاعتهم. ولكن دفاعهم عن الإسلام كان يعوزه الكثير، اللهم إلا في حالات قليلة، ومن ثم فإن قادة الكنيسة شرعوا يتكهّنون بتحول سكان شبه القارة الهندية جميعًا إلى النصرانية.

وفي أوائل عام 1893م كتب القسيس النصراني هنري مارتن كلارك رسالة إلى محمد بخش بهاندا، أحد قادة المسلمين في مدينة "جاندياله" يقترح فيها القيامَ بعمل حاسم نحو ترتيب مناظرة علنية بين ممثلي النصرانية والإسلام.. ليتسنى اتخاذُ قرار نهائي بشأن الجدارة النسبية للمِلَّتَيْنِ، ويمكن البتُّ في أي الديانتين هي الحق. وكان سيدنا الميرزا غلام أحمد في ذلك الوقت قد تمكَّن من إلحاق الهزيمة بكثير من تحديات النصارى للإسلام، واعترف له الجمهور بأنه بطلُ الدِّين الحق، وقد صرحت جريدة غير أحمدية "رياض الهند" تصدر في "أمرتسار" بشأن سيدنا أحمد ودفاعِه الرائع عن الإسلام قائلة: "إن حسناتِ الميرزا غلام الرائعةَ وإنجازاتِه الروحانيةَ العالية لهي أسمى من تعليقاتنا المتواضعة.

إن ما قدّمه من حجج مقنعة وأدلة متألقة تأييدًا للإسلام والحق كان شهادةً قاطعةً على أنها تفوق - دون أي ظل للشك - على كتابات العلماء الأقدمين والمحدثين.. في بلاغته وطريقة تقديمه." (جريدة "رياض الهند" بتاريخ 1/3/1886م) ومن ثم لم يكن مثيرًا للدهشة أن يقوم السيد محمد بخش بهاندا بتسليم دعوة القس كلارك إلى سيدنا أحمد ملتمسًا منه أن يقوم بتمثيل الإسلام في هذه المناظرة المقترحة.

ولما كان قساوسة النصرانية مشتغلين آنئذ وعلى نطاق واسع بمهاجمة الإسلام، وسيدِنا محمد المصطفى صلى الله عليه وسلم نبي الإسلام، والقرآنِ الكريم كتاب الإسلام.. اعتبر سيدُنا أحمد هذه الدعوةَ فرصةً هبطت من السماء لتوطيدِ تفوُّقِ الإسلام، فبادر بالموافقة على الدعوة، وأخبر قادةَ المسلمين في "جانديالا" أنه يسرّه تمثيلَ الإسلام في المناظرة المقترحة. (رسالة بتاريخ 11/4/1893م) وعيّنت الكنيسةُ "عبدَ الله آثم" - وهو هندي متنصر كان قبل تنصره خطيب جامع "آغرا" - لتمثيل النصرانية في المناظرة. وكان "آثم" هذا مصنفًا لعدد من المنشورات السافلة التي وصف فيها نبيَّ الإسلام الأكرم صلى الله عليه وسلم بأنه الدجال. (والعياذ بالله) (أندرونه بائيبل، للقسيس عبد الله ص133 وما بعدها)
كان الإجماع العام من المسلمين لاختيار سيدنا أحمد ممثلا للإسلام مثارَ قلق بالغ لدى القسيسين النصارى وعلى وجه الخصوص - القُسس المرتدين عن الإسلام: مثل إمام الدين وثاكر داس وعبد الله آثم. وقد عبّروا جميعًا من قبل عن قلقهم نحو التأثير المتزايد لسيدنا أحمد. (جريدة "نور أفشان" 19/3/1885، و16/4/1885م) لقد شهدوا الفناء التامَّ لفلسفة الآريا الهندوسية على يد سيدنا أحمد، وخَشُوا أن تلقَى الكنيسة نفس المصير خاصة وإن سيدنا أحمد كان أداة إذلال لزملائهم: القس هربرت ستانتون والقس فتح مسيح.. اللذين تحديا الإسلام في الماضي ثم فرّا من الميدان عندما ظهر فيه سيدنا أحمد وقَبِلَ تحديهما. (المرجع السابق 7/6/1888م، 9/6/1888م) .

ولذلك رفضت قيادة الكنيسة في بادئ الأمر أن تكون طرفًا في مناظرة يمثل فيها سيدُنا أحمد الإسلامَ. ولكن وفدًا من قادة المسلمين أَكَّدَ للقسيسين النصارى بأن الميرزا غلام أحمد هو اختيارهم المفضَّل، فاضطروا للتسليم. وبعد قدر من المراسلات المتبادلة بين الفريقين وصلوا في النهاية إلى اتفاق لعقد مناظرة خطية في مدينة أمرتسار خلال المدة من 22 مايو إلى 3 يونيو 1893م. وتم الاتفاق أيضا على موضوعات المناظرة وهي: صدق الإسلام؛ وصدق نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم، والقرآن المجيد ودعوى ألوهية يسوع المسيح.

ومع أن الفريقين قد توصلا إلى اتفاق رسمي إلا أن قيادة الكنيسة قبِلت بتعيين سيدنا أحمد مع قدر من التحفظ. لقد حاولوا التأثير على جموع المسلمين لإعادة النظر في اختيارهم وذلك بمحاولة تشويه سمعة سيدنا أحمد. وخصوصًا أصدر القس كلارك نشرةً موجَّهة إلى المسلمين يشير فيها إلى فتاوى المولوي محمد حسين البطالوي عن الميرزا غلام أحمد، فاقترح على المسلمين أن ينبذوه، لأنه - حاشا لله - ليس مسلمًا بالمرة. (المرجع السابق 2/5/1893م).

فكأن المبشرين المسيحيين يحبون المسلمين العاجزين عن الدفاع عن دينهم، ويعتبرونهم "المسلمون حقا"، ويريدون إنقاذ مثل هؤلاء المسلمين من (الكفار) المجيدين في المنافحة عن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم! فيا للسخرية المُرّة!! وفي نهاية المطاف..جرت المناظرة في مدينة أمرتسار حسب الاتفاق واستمرت لأسبوعين. واتضح أن ممثل النصارى في المناظرة - عبد الله آثم - كانت تنقصه المعرفة الكافية بكلا الدينين: الإسلام والنصرانية، ومن ثم فإنه وافق على نقاط عديدة في المناظرة. فمثلاً إنه اعترف أنه لم يستطع أن يدلل على ألوهية المسيح المزعومة. (جنغ مقدس (حرب مقدسة) الخزائن الروحانية ج6) وتمسك برأيه أن العقل والخبرة ينبغي أن لا يكونا مرشدَين للإيمان، وأن الإنسان لا يستطيع فهم عقيدة التثليث. (المرجع السابق) ووجد "آثم" نفسه أيضا مضطرًّا للاعتراف بأن يسوع أصبح تجليًّا للإله فقط عندما رأى روحه تنـزل عليه في هيئة حمامة وبرق. (المرجع السابق) .. مما قَوَّضَ بشدةٍ عقيدةَ أن يسوع بوصفه ابن الإله كان من جوهر الأب نفسه. وقد انكشف جهل "آثم" بالإسلام والقرآن أثناء المناظرة لما أقرَّ بخطئه في الاستشهاد بآيات عديدة من القرآن الكريم. (المرجع السابق) عجز القسيس عبد الله آثم عن مواكبة البحث الفكري الدائر، وفشل في تقديم أية حجة طريفة ومقنعة.. لا في صالح النصرانية ولا ضد الإسلام. وكان عجزه أكثَرَ من واضح أمامَ الحاضرين بما فيهم زملاؤه. والواقع أن "آثم" نفسه كان يعرف قصوره، فتوعَّكَ أثناء المناظرة وحلَّ محلَّه القسُّ "مارتن كلارك" لفترة من الوقت. وفي نهاية المناظرة اختتم سيدنا أحمد ورقته الأخيرة بهذا الإعلان:

"عندما دعوتُ الله في خشوع وحرارة أن يصدر حكمه في هذه المناظرة.. لأننا بشر ضعفاء لا نستطيع التوصل إلى شيء.. تلقيتُ نُبوءةً تبشرني بأن الطرف الذي يتعمد اتباع الباطل ويهجر الإلهَ الحق ويؤلِّه بشرًا ضعيفًا سوف يُلقى في الهاوية خلال 15 شهرا.. شهرٌ في مقابل كل يوم من أيام المناظرة. وإذا لم يرجع إلى الحق فسوف يلقى خزيًا علنيًا. وأن من يتبع سبيل الحق ويؤمن بالإله الحق سوف يَلقى التكريمَ على الملأ." (المرجع السابق) وفي ختام الإعلان وجّه سيدنا أحمد سؤالا إلى عبد الله آثم: "والآن أسأل السيد المندوب: إذا تحققت هذه الآية.. فهل تقبل بها كنبوءة سماوية كاملة بحسب ما تحب؟ ألا تكون هذه الآية برهانًا ساطعًا على أن النبي الأكرم صلى الله عليه وسلم - الذي سمّيتَه الدجالَ في كتابك "أندرونه بائيبل" - هو نبي صادق"؟ (المرجع السابق) يتبين من هذه المقدمة عن المناظرة بين سيدنا أحمد والقسيس عبد الله آثم أن الهدف من كل هذه العملية هو إقرارُ تفوُّقِ إحدى الديانتين المتنافستين: الإسلام أو النصرانية. وكان إعلان سيدنا أحمد الختامي يشير إلى أن المعركة لم تكن بين الشخصيتين المتناظرتين، بل بين ملّتيهما: الإسلام والنصرانية. وكان سؤالُ سيدنا أحمد الختاميُّ دليلا آخر على أن النتيجة النهائية للنبوءة ضد عبد الله آثم ستكون "برهانًا قويًا على أن النبي محمدًا صلى الله عليه وسلم - الذي سماه "آثم" دجّالاً في كتابه "أندرونه بائيبل" - كان نبيًّا من الله حقًّا وصدقًا".

يُرجى عند هذه المرحلة من معارضي الأحمدية الذين ينتقدون نبؤءاتِ سيدنا أحمد.. أن يتدبروا فيما يؤدي إليه إلحاحهم في قولهم بأن سيدنا الميرزا غلام أحمد لم يستطع التغلب على النصراني.. ومن ثم فإن المناظرة كانت في صالح النصراني.. علمًا بأن المناظرة كانت برهانًا قويًّا على صدق النبي الأكرم محمد صلى الله عليه وسلم الذي سماه "آثم" دجالا - والعياذ بالله - في كتابه "أندرونه بائيبل".

يا تُرى ألم يغرق خصومُ سيدنا أحمد في تحيُّزهم ضد حضرته بحيث إنهم مستعدّون للتضحية بصدق نبي الإسلام لشخص يؤلِّه يسوعَ الإنسان وينسى الإلهَ الحق، ويسبّ في كتاباته علنًا نبيَّنَا الأكرمَ صلى الله عليه وسلم؟

حقيقة الأمر أن القس عبد الله لم يتغلب على سيدنا أحمد في هذه المناظرة، ولم تكن المناظرة في صالح النصرانية. وتفاصيل غلبة الإسلام على النصرانية مسجلة في محاضِرِ جلساتِ هذه المناظرة. (المرجع السابق) ولو أن الناقدين الطاعنين في سيدنا أحمد قرأوا هذه المحاضر، ولم يكتفوا باقتباس الأباطيل من كتابات أقرانهم الذين لا يَقِلُّون عنهم جهلا وتعصبًا.. لوجدوا أن الإسلام قد انتصر على النصرانية في هذه المناظرة على يد سيدنا أحمد ضد القس عبد الله آثم.

والواقع أن صحيفة "نور أفشان" وهي جريدة نصرانية، كانت نَشرتْ في أعمدتها عرضًا لهذه المناظرة، ثم قامت "جمعيةُ البنجاب للكتاب الديني" - وهي منظمة نصرانية في لاهور - وجمعت هذا العرض في كتاب. وفي سياق هذا العرض صرح القس ثاكر داس زميلُ عبد الله "آثم" من البعثة الأمريكية بسيالكوت.. بأن هذه المناظرة في رأيه لم تكن وافيةً بالمطلوب، وكانت إجابات المندوب النصراني موجزة جدا. (تنقيح المباحثة ص3) وقال أيضا: إن الآيات التي استدل بها "آثم" على معتقداته لم تأتِ بالتأثير المرغوب. (المرجع السابق) واعترف القس "داس" كذلك بأن "آثم" فشل في تفنيد النتائج التي استخلصها الميرزا غلام أحمد فيما يتعلق بفقرات إنجيلية معينة. (المرجع السابق) وانتقد زميلَه لأنه فشل في الإجابة على الأسئلة التي أثارها سيدنا أحمد بصدد ألوهية المسيح المزعومة.

ومنذ وقت قريب صرح كاتب بريطاني: إيان آدمسن - عن هذه المناظرة بين سيدنا أحمد والقس عبد الله آثم فقال: "لا شك فيمن فاز في هذه المناظرة. قال مبعوث أمريكي في تقريره حول المناظرة بإحدى الصحف إن أجوبة المناظر المسيحي كانت غير وافيةً. (MIRZA GHULAM AHMAD OF QADIAN, PAGE 83)

ولنعُدْ إلى مسألة تحقُّق نبوءة سيدنا أحمد ضد عبد الله آثم. لقد أوضحنا من قبل أن الغرض من هذه النبوءة كان تحذيرَ القس النصراني من الموقف الذي اتخذه ضد الإسلام. لقد صرَّحت كلماتُ النبأ الإلهي لسيدنا أحمد بوضوح أن عبد الله آثم: "سيُلقَى في الهاوية خلال 15 شهرا من النبأ، وسوف يلقى الخزيَ العلني إذا لم يرجع إلى الحق".

ولا يوجد فيها ما يوحي بأن المطلوب هو تحوُّلُ عبد الله آثم عن النصرانية كما يدّعي بذلك النقاد. بل على العكس، كانت ملاحظة سيدنا أحمد الختامية هي أن نجاة "آثم" تتوقف على تراجعه عن معتقده السابق ضد نبي الإسلام محمد المصطفى صلى الله عليه وسلم وعن شتمه في كتابه: أندورنه بائيبل.. وفي هذا دليل على أن المطلوب من "آثم" هو أن يعترف بصلاح نبي الإسلام الأكرم صلى الله عليه وسلم. ومن ثم فإن مجرد تراجع "آثم" عن موقفه السابق ضد نبي الإسلام صلى الله عليه وسلم يكون دلالةً كافية على أنه قد أخذ يرجع إلى الحق. وكما أثبتت الحوادث اللاحقة.. ما كاد سيدنا الميرزا غلام أحمد يعلن نبوءته حتى تاب هذا القس فورًا، وأعلن أنه "لم يُهِنِ الإسلام أو نبيَّ الإسلام عن سبق إصرار أبدًا".

ويصرح المؤرخ البريطاني عن تراجع "آثم" فيقول: عندما سمع "آثم" بالنبوءة امتقع وجهُه، وعلى الطريقة الشرقية في بيان الإنكار التام: لَمَسَ أذنيه، وأخرج لسانه، وهَزَّ رأسه، وأعلن: تُبْت.. تبتُ. أنا لم أقصد أن أُبدي قلةَ الاحترام نحو محمد." (المرجع السابق) لم يكتف عبد الله آثم بإعلان توبته باللسان وإبداء الندم عند المناظرة؛ بل إن هذا الكاتب النصراني الشهير والمناظر المعروف توقَّفَ عن كل عمل يساند عقيدته. امتنع عن الكتابة في صالح النصرانية وضد الإسلام، وانسحب في صمت وعزلة نسبية. وهذا في الواقع شهادة بينة على أن عبد الله آثم قد رأى نور الحق فعلا، وأنه في قرارة نفسه قَبِلَ بصدق الإسلام ونبيه الكريم صلى الله عليه وسلم. وإلا.. فما هو السبب المعقول الذي حدا بامرئ مثل عبد الله آثم، الذي كان مشتغلا من قبل في الأنشطة النصرانية، إلى التقاعد فجأة من الحياة النشطة إلى الاعتزال؟ لماذا تخيَّرَ هذا الوقتَ بالذات ليختفي بهذه الكيفية التي لجأ إليها بعد إعلان نبوءة سيدنا أحمد ضده؟ ألم يكن "آثم" ليمضي في الدعوة إلى النصرانية لو أنه اقتنع فعلا بعقائده الباطلة.. بصرف النظر عن نبوءة سيدنا أحمد ضده؟

إن تقاعُدَ عبد الله آثم عن الحياة النشطة إلى الصمت التام بعد إعلان النبوءة ضده لدليل قاطع على أنه أدرك خطأه، وأن الحقيقة أثّرت على فكره. ولو لم يكن الحال هكذا لتجاهَلَ تحذيرَ سيدنا أحمد ضده، واستمر في عدوانه الظالم على الإسلام وعلى نبي الإسلام صلى الله عليه وسلم. ولكنه أبدى نَدَمَه قولا وعملا عند المناظرة.. وشحب لونُه وأعلن توبتَه، ثم كان في انسحابه وركونه إلى الصمت بعد المناظرة مظاهرة تكميلية لتوبته العلنية.

الواقع أن أحد خصوم سيدنا أحمد المتحمسين - المولوي الأمرتساري - اعترف أن عبد الله آثم كان خائفًا من الموت بسبب نبوءة سيدنا أحمد ضده، وأنه لجأ إلى كل وسيلة ممكنة للهرب بسبب هذا الخوف. (إلهامات الميرزا ص22) واعترف المولوي الأمرتساري أيضا: لقد تراجع "عبد الله آثم" فعلا، وهذا كان المفهوم عمومًا. (المرجع السابق) ومع أن عبد الله آثم تراجع عن معتقداته ضد الرسول صلى الله عليه وسلم وتوقَّفَ عن أن يكون نصرانيًّا نشطًا إلا أنه لم يخرج عن الملة النصرانية.. وعند نهاية الـ 15 شهرًا قام خصوم سيدنا أحمد بضجة يدّعون فيها أن آثم لم يزل حيًّا.. ومن ثم فإن نبوءة سيدنا أحمد لم تتحقق.

ولكن حقيقة الأمر أن كلماتِ السماء التي نزلت على سيدنا أحمد لم تعلن في أي وقت أن الكاذب يموت في خلال 15 شهرا من إعلان النبوءة، بل إن كلمات النبأ تقرر أن الذي يتعمد اتباع الباطل، ويهجر الإله الحق، ويؤلِّه بشرًا ضعيفًا.. سوف يُلقى في الهاوية خلال 15 شهرا.. شهر في مقابل كل يوم من أيام المناظرة، وإذا لم يرجع إلى الحق لقي خزيًا علنيًا. (جنغ مقدس، الخزائن الروحانية ج6 ص210) فكلمات النبأ الإلهي كما تلقاها سيدنا أحمد تقرر أن الكاذب سيلقى في الهاوية خلال 15 شهرا. والهاوية هي الدرك الأسفل من النار.

لاشك أن سيدنا أحمد قد فهم من هذه العبارة أنها تعني الموت كما تبين ذلك من تفسيره للوحي الإلهي الذي نزل عليه. (المرجع السابق)، ولكن هذا التفسير حالة بسيطة من الخطأ في فهم المدلول الحقيقي للوحي الإلهي.. على نحو ما حدث لسيدنا وحبيبنا محمد المصطفى صلى الله عليه وسلم عند تفسيره للوحي السماوي المتعلق بأداء العمرة والحج، وقد شرحناه في فصل سابق. وهو نفس الحال من خطأ الفهم الذي وقع فيه سيدنا نوح عليه الصلاة والسلام عندما ظن أن وعد الله تعالى يتضمن نجاة أسرته من الفيضان. وهو نفس الحال من خطأ الفهم الذي وقع فيه سيدنا يونس عليه الصلاة والسلام حين غادر بلده متوقعًا نزولَ العقاب العاجل بأهل نينوى.

ومع ذلك.. فإن نبوءة سيدنا أحمد المتعلقة بعبد الله آثم - كما بلّغها الوحي له - تحققت بتمامها. فمع أن "آثم" أبدى استجابةً شفوية في نهاية المناظرة، وتوقَّفَ عن عادته في شتم الإسلام ونبي الإسلام بالتقاعد من الحياة العاملة النشطة.. إلا أن سكوته هذا كان مجرد خداع للجماهير، ومن ثم أُلقيَ في الهاوية، وهي تجربة قاساها طوال ما بقي له من أيام على الأرض.

تدل الوقائع التاريخية على أن القس "آثم" عانى من عذاب ذهني عظيم بعد إعلان سيدنا أحمد للنبوءة ضده. وأخذتْ تنتابه هلوسةٌ غريبة، وطفق يحلم نهارًا أن الثعابين والكلاب المسعورة والرجال المسلحين توشك أن تهجم عليه. يصرح المؤرخ البريطاني أن القس آثم بعد النبوءة:

"عاش في ذُعر تام بقيةَ عمره. كان دائمًا مخمورًا، وينقله القسيسون النصارى من بلدة إلى أخرى. (سيرة الميرزا غلام أحمد القادياني ص103) وكان المولوي الأمرتساري - الذي سبق ذكره - شاهدَ عيان لحال عبد الله آثم وحياتِه بعد إعلان نبوءة سيدنا أحمد ضد هذا القس النصراني. وبالرغم من الخلافات الشخصية ومؤامراته ضد سيدنا أحمد - فإن المولوي ثناء الله اعترف بأن نبوءة سيدنا أحمد ضد "عبد الله آثم" قد تحققت طبقًا لكلمات النبوءة.. فصرح قائلا:

"إذا أخذتَ في الاعتبار الكلماتِ التي نقلناها أيضا، وفكرتَ في الورطة التي أحاطت به.. فلن يخالجك أي شك في أنه بالفعل قد أُلقيَ في الهاوية، وأن قلبه قد تأثر شديدا بحيث يمكن أن نسميه عذاب السعير. ولكن العقاب البالغ الذي فهمناه والذي أشارت إليه كتاباتنا - أي الموت - فذلك الذي لم يأت بعد." (إلهامات الميرزا ص23) ولكن الموت.. كما بيّنّا آنفًا.. لم يَرِدْ ذكرهُ أبدًا في كلمات النبأ السماوي الذي نزل على سيدنا أحمد. فقط قررت النبوءةُ أن "آثم" سوف يُلقَى في الهاوية.. أي الدرك الأسفل من النار. وهذا ما حدث له تمامًا.
وقد اعترف بهذه الحقيقة خصمُ سيدنا أحمد وهو المولوي ثناء الله وقال: "الحال التي كان فيها دائما تحت تأثير القلق والخوف والرعب من الموت.. كانت حقًّا هاويةً، أو الدركَ الأسفل من النار." (المرجع السابق) ومن المؤسف أنه بالرغم من هذا الاعتراف بتحقق نبوءة سيدنا أحمد ضد القس "آثم" طبقًا لكلمات النبأ الإلهي كما تلقاه.. فإن خصوم سيدنا أحمد لم ينفكوا يدّعون أن هذه النبوءة لم تتحقق بعد، لأن "آثم" لم يمت خلال 15 شهرا. ولقد رَدَّ سيدنا أحمد على ذلك بإعلان أن إرجاء حكمِ الموت جاء بسبب توبة "آثم" وقتَ المناظرة وموقفِه فيما بعد.. مما دلّ على أن قلب عبد الله آثم قد عاد إلى الحق.

وكذلك أعلن سيدنا أحمد صراحةً أن أساس هلاك "آثم" قد وُضع، ولا يتوهَّمَنَّ أحد أن أسوأ الشدائد قد انتهت بالنسبة للقس. وصرّح أنها مسألة وقت حتى يحيق العقابُ النهائي بـ "آثم" بسبب سفاهته. (أنوار الإسلام، الخزائن الروحانية ج9 ص1 إلى 15) وكذلك دعا سيدنا أحمد القس آثم ليحلف علانيةً ويُنكر أنه لم يكن بقلبه ميلٌ للرجوع إلى الحق خلال فترة الخمسة عشر شهرا، وأنه - كما كان قبل المناظرة - لا يزال يعتبر الإسلام ونبي الإسلام على خطأ.. محذّرًا إياه أنه لو قام بهذا الحلف فلا بد أن يهلك خلال عام واحد من وقت الحلف.. وإلا دَفَعَ سيدنا أحمد للقس النصراني 1000 روبية هندية كجائزة له اعترافًا منه بالهزيمة.

واختتمت الدعوةُ والتحذير بإعلان من سيدنا أحمد جاء فيه أنه إذا قَبِلَ "آثم" هذا التحدي وأقسم.. فإن الإسلام سوف يخرج منتصرًا والنصرانية مهزومةً ولسوف تتجلى يدُ الله تعالى. (المرجع السابق) فلو لم يكن عبد الله آثم قد تاب إلى الحق وتخلى عن رأيه ضد الإسلام ونبيه صلى الله عليه وسلم كما كان قبل النبوءة.. لتَقَبَّلَ هذا التحدي وأقدم على الحلف، ولكان له بعد ذلك - إذا كُتبت له الحياة - أن يقبض جائزة قدرها 1000 روبية، ولأسدى للنصرانية خدمة جليلة؛ لأن سيدنا أحمد سيكون عندئذ مضطرا للاعتراف بهزيمة الإسلام.. وهي الملة التي كان حضرتُه ممثلا لها ومتحدثًا باسمها في المناظرة.

ولكن "آثم" لزم الصمتَ التام، وتجاهَلَ التحدّيَيْن الصادرين في 5 و9 سبتمبر عام 1894 من قِبل سيدنا أحمد عليه السلام. وبعد ذلك أرسل سيدُنا أحمد رسالةً مسجلة إلى القس كلارك والقس إمام الدين.. يطلب منهما حثَّ زميلهما القس "آثم" على الحلف. ولكن القس كلارك أرسل ردًّا قال فيه إن آثم ليس مستعدا للحلف. وهنا رفع سيدنا أحمد قيمةَ الجائزة إلى 2000 روبية هندية.

وفي عرضٍ قدَّمه يوم 20/9/1894م أعلن سيدنا أحمد أن هذه حرب بين اثنين: إله صادق وإله زائف، ولسوف يفوز الإله الحق. وصرح أيضا بأن آيةَ صدقه؛ صدقِ إله أحمد؛ صدقِ إله الإسلام هي أن- سيدنا أحمد - نفسه لن يموت في ذلك العام الذي صدرت فيه النبوءة، أما آثم فإنه لو أقسم فلسوف يموت خلال هذا العام.. لأن الإله الزائف الذي يؤلِّهه لا يستطيع إنقاذَه. (مجموعة الإعلانات ج2 ص63، إعلان رقم 122) كانت هذه دعوى خطيرة للغاية من جانب سيدنا أحمد.. لأنه لا يستطيع أي امرئ أن يتنبأ مؤكِّدًا استمرارَ حياته لأي فترة زمنية، بل ولا للحظة واحدة.. ولكن سيدنا أحمد كان على ثقة تامة لا حدود لها في رب الإسلام. وكان على يقين من أنه تعالى سوف يؤيده وينصره في كل سبيل لإثبات صدق دينه الحق، لأن كتاب الله الكريم ورسوله العظيم محمدًا المصطفى صلى الله عليه وسلم كانا هما موضوع النـزاع في مناظرة أمرتسار.

ومن ثم وجد القس "آثم" نفسه في موقف شديد الحرج. فإنه إذا ظل صامتًا أطوَلَ من ذلك فَقَدَ ما تبقى له من احترام قليل، هذا إذا كان ثمة شيء تبقى له. ولكنه كان واثقا أنه إذا أقدم على الحلف فلن يعيش سنة أخرى. ولذلك اتخذ القس النصراني خطةً يتجنب بها الموضوعَ الأساسي وهو الحلف، فأعلن فقط أنه لا يزال نصرانيًّا. (جريدة "نور أفشان" ليوم 21/7/1894م).

لما فشل "آثم" في أن يجيب جوابًا شافيًا على طلب سيدنا أحمد، دعاه حضرته ليقسم علنًا بأنه خلال الخمسة عشر شهرًا التالية للمناظرة لم يغيِّر موقفه تجاه الإسلام ونبيه صلى الله عليه وسلم. وعند هذه النقطة استفسر سيدنا أحمد عن سبب نكوص آثم عن الحلف وتساءل: ألا يستطيع إلهُ النصرانية الزائفُ أن يُنقذ "آثم" لمدة عام واحد.. على الرغم من أن "آثم" لم يتقدم كثيرا في العمر؟ إنه أكبر مني ببضعة أعوام فحسب. ما هذا العجز الذي يستولي على إله خيالي فلا يستطيع إنقاذه لمدة سنة واحدة؟ إن توقُّعَ الخلاص على يد مثل هذا الإله الذي لا يقدر على كفالة الأمان لسنة واحدة.. لأمرٌ بالغُ الخطورة. ألم نعلن بأن إلهنا سوف يحمينا من الموت هذا العامَ، وأنه سوف يُهلك آثم؟ ذلك لأن إلهنا إله حق.. ومع ذلك ينكره هؤلاء النصارى التعساء الذين يؤلِّهون بشرًا مثلهم. (مجموعة الإعلانات ج2 ص63)وتشجيعًا للقس عبد الله آثم على أداء القسم رَفَعَ سيدنا أحمد قيمةَ الجائزة إلى 3000 روبية.

وعند تقديم هذا العرض يوم 5/10/1894م استثار سيدنا أحمد عواطفَ آثم الدينية وقال:
"إذا كان للمسيح بن مريم الصديقة ذرةٌ من الاحترام في نظرك.. فإني ألتمسك باسمه، وأناشدك باسم الله تعالى أن تؤدي القسمَ الذي تحديناك أن تقوم به في هذه الوريقة." (المرجع السابق ص89) ولكن "آثم" تجنبَ الموضوعَ مرة أخرى وأعلن أنه ليس مسموحًا له أن يحلف على شيء إلا في إجرءات قضائية.. لأن دينه لا يبيح له القسمَ في أي مناسبة أخرى. (جريدة "نور أفشان" 10/10/1894م ) وأجاب سيدنا أحمد على هذه المراوغة، وصحّح للقس آثم رأيَه بأن "دينه لا يسمح له بالحلف إلا في إجراءات قضائية"، مستشهِدًا بأسفار النصرانية وكُتبها الأخرى التي تثبت أنه لا يوجد في النصرانية أبدًا ما يمنعه من الحلف أمام جمعٍ من الناس. ثم هل هناك أية قضية هي أهم من الدين؟ وفي هذه المرة يوم 27/10/1894م رَفَعَ سيدنا أحمد قيمةَ الجائزة إلى 4000 روبية إذا حلف "آثم" على الإعلان المطلوب. ولكن آثم لم يكن ليقبل بالإغراء. لم يكن "آثم" ليحلف كما تحداه سيدنا أحمد.. لا من أجل اعتبارات مالية لمبلغ 4000 روبية، ولا من أجل شرف المسيح بن مريم. (أنوار الإسلام، الخزائن الروحانية ج9 ص10).

بعد 12 شهرًا من تحدي سيدنا أحمد للقس "آثم" ليحلف بأنه لم يغير موقفه من الإسلام.. أخذت وسائل الإعلام النصرانية مرة أخرى تثير مسألة بقاء "آثم" حيًّا رغم أن القس نفسه قد تَراجَعَ عن الحلف بناءً على زعم باطل منه أن دينه لا يسمح بمثل هذا التصرف. وفي ديسمبر 1895م سرَّب القس "آثم"- عن طريق زميله القس فتح مسيح - أنه لم يُقدِم على الحلف لأن أتباع سيدنا أحمد حفنة قليلة من الناس. وعلى الفور طلب سيدُنا أحمد من "آثم" أن يخبره عن عدد المسلمين الموقعين الذين يرضى "آثم" بهم كي يوقِّعوا على التماس يقدَّم إليه من قِبله أي سيدنا أحمد عليه السلام.

وفي هذا الإعلان صرح سيدنا أحمد أخيرًا أنه لو اجتمع القساوسة النصارى جميعًا لإغراء "آثم" على القسم فإنه سيبقى فاقدَ الشجاعة للحلف.. لأنه في قرارة قلبه يعلم أن النبوءة الأصلية ضده في أمرتسار قد تحققت بالفعل. وصرح سيدنا أحمد أيضا أنه لدليلٌ كافٍ على صدقه في قوله إن "آثم" لن يحلف أبدًا ضده.. حتى ولو مزّقه العالَمُ النصراني إربًا إربًا. ومن ناحية أخرى.. لو أقدم "آثم" على الحلف فإن النبوءة الثانية عن هلاكه سوف تتحقق حتمًا. (مجموعة الإعلانات ج2 ص204، إعلان 30/12/1894) وكما توقع سيدنا أحمد.. لم يجسر عبد الله آثم على القسم رغم ما تعرّض له من تحقير مستمر حسبما وعد الله به. ولكن صمت "آثم" كان في حد ذاته نوعًا من الخداع.. إذ كانت أمامه فرصةٌ كافية لينقذ نفسَه من غضب الله تعالى بقول الحق، ولكنه ظل صامتا متسترا وراء تظاهُرٍ ديني كاذب رغم حثّ متكرر من قِبل سيدنا أحمد عليه السلام بعد هذا الإعلان أيضا. ومن ثَمَّ.. وبعد سبعة أشهر من تحذير سيدنا أحمد الأخير الذي بلَّغه لهذا القس النصراني في 30 ديسمبر 1895، نُشِرَ نعيُه في 27 يوليو 1896م، تمامًا كما أعلنه سيدنا أحمد في إعلانه الرابع بأن الله تعالى لن يترك مجرما كهذا بدون عقاب، لأنه يخفي الحق ليخدع الدنيا.... إن تلك الأيام لقريبة، وليست ببعيدة. (المرجع السابق ص 106، إعلان 27/10/1894م)


 

أخبار الجماعة

خطب الجمعة الأخيرة